جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

سعود قبيلات ▣

أصدقائي في الفيسبوك



انضممتُ، منذ فترة قريبة، إلى صفحات التواصل الاجتماعيّ (فيسبوك)، مثل كثيرين ممَّن لم ينتبهوا إلى هذه الوسيلة التواصليَّة العظيمة إلا بعد الحراك الشعبيّ العربيّ ودور الفيسبوك في تسهيل تبادل الآراء بين أعداد كبيرة من الناس في مختلف البلدان العربيَّة وحشدهم في ساحات الاحتجاج على الظلم والقهر والطغيان والفساد.


وأنا ممتنّ جدّاً للعدد الكبير من الأصدقاء الذين تكرَّموا عليَّ بصداقتهم الفيسبوكّيّة خلال هذه الفترة القصيرة التي مضتْ على وجودي بينهم. والحقيقة، أنَّني -حتَّى هذه اللحظة- لا أزال في طور تعلّم استخدام الفيسبوك، ولا أزال أخطئ في بعض الأحيان في استخدامه، كما أنَّني لا أفهم بعض الإشارات وبعض الرموز وبعض الحركات، في أحيانٍ أخرى؛ فيصعب عليّ التعامل معها بشكلٍ صحيح.


وربَّما أدَّى هذا، أحياناً، إلى إبدائي ردود فعلٍ توحي - مِنْ دون قصدٍ منّي - بمعانٍ مغايرة لما أردتُ التعبير عنه فعلاً، بل وأخشى أنَّني في بعض المرّات حذفتُ صديقاً بحركةٍ خاطئة لم أقصدها.. ومِنْ دون حتَّى أنْ أعرف مَنْ هو الصديق الذي حذفته. وإذا كان هذا قد حدث فعلاً، فإنَّني أعتذر سلفاً لذلك الصديق، وأرجو أنْ ينبّهني لأتشرَّف باستعادة صداقته مِنْ جديد. وبناء على ذلك، فإنَّني أطلب من أصدقائي أنْ يطوِّلوا بالهم عليَّ وأنْ يتعاملوا معي كشخص متدرّب يحتاج إلى الكثير من التفهّم وتحمّل أخطائه وزلاته ومساعدته للتغلّب عليها وتطوير أدائه.


ومع ذلك، فخلال هذه الفترة القصيرة نفسها، سرعان ما اكتشفتُ أنَّ حائط الصفحة التواصليَّة لا يقلّ أهميَّة عن صفحة الجريدة (الورقيَّة والإلكترونيَّة)؛ فشرعتُ بوضع روابط مقالاتي المنشورة في "الرأي" على حائط صفحتي، بل وبدأتُ أكتب أشياء خاصَّة لأضعها على هذا الحائط. وأنا ممتنّ جدّاً للأصدقاء الذين يشجّعون كتاباتي بوضع إشارة الإعجاب تحتها، أو بالتعليق عليها.. سلباً أو إيجاباً.. رفضاً أو تأييداً. فهذا يشعرني بأنَّ ما أكتبه لا يذهب هباءً، وأنَّ هناك مَنْ يهتمّ به ويتحاور معه. ولا تقلّ أهميَّة عن ذلك، الكتابات التي يضعها الأصدقاء على حائطي؛ بما فيها الكتابات التي تنطوي على آراء تختلف كثيراً عن رأيي، بل وبما فيها أيضاً الكتابات التي لا تتقيَّد بأصول الحوار المتعارف عليها، وحتَّى ما انطوى منها على شتائم موجَّهة لشخصي البسيط لمجرّد خلافي في الرأي مع أصحابها، الذي قد يكون حقيقيّاً، أو قد يكون أحياناً مبنيّاً على وهم، أو على عدم وجود معلومات كافية، أو أنَّه يستند إلى استنتاجات غير دقيقة.. الخ. فاهتمامهم بوضع تعليقاتهم (وكتاباتهم) على حائط صفحتي، ينطلق - كما هو واضح - مِنْ رغبتهم في إطلاعي على آرائهم. وهذا ينمّ على تقديرٍ كريمٍ منهم لشخصي المتواضع، بغضّ النظر عن صيغة الخطاب التي يستخدمونها لعرض آرائهم.


وأنا سعيد لأنَّه أُتيح لي مِنْ خلال الفيسبوك أنْ أتواصل مع أصدقاء ورفاق وزملاء انقطعتْ عنّي أخبارهم منذ زمنٍ طويل، ومع أقرباء مِنْ جيل الشباب لم يُتِح لي الفارق السنّي ومشاغلي أنْ أتواصل معهم، ومع الكثيرين مِنْ أبناء وطني.. مِنْ مختلف الأعمار والفئات والتوجّهات، وبعض الأصدقاء مِنْ أبناء البلدان العربيَّة، الذين لم أكن لأحظى بشرف صداقتهم وبهجة التواصل معهم لولا الفيسبوك.


لا أدري كيف يشعر أصدقائي في الفيسبوك، أثناء انهماكهم بالتواصل مع بعضهم البعض، عبر صفحاتهم، ثمَّ بعد ذلك.. عندما يخرجون مِنْ هذه الدائرة الحيويَّة الثريَّة، ويغلقون كمبيوتراتهم. أمَّا أنا، فتحيلني المشاعر المرتبطة بهذا الموقف إلى خبرتين شعوريَّتين مختلفتين؛ الأولى هي الخبرة الشعوريَّة المتّصلة بحياة السجن؛ ليس مِنْ حيث دلالاته السلبيَّة، ولكن مِنْ حيث المفارقة الكبيرة ما بين صورته من الداخل وبين صورته من الخارج؛ فهو يبدو من الخارج مكاناً صغيراً نسبيّاً، ومغلقاً، وفقيراً في مفرداته الحياتيَّة.. في حين تبدو صورته من الداخل مغايرة تماماً.. إذ يشعر السجين أنَّه يعيش في عالم كامل.. مليء بالتفاصيل الحياتيَّة المهمَّة والثريَّة بمعانيها ودلالاتها وعمقها وتنوّعها، وأنَّ الجدران لا تستطيع أنْ تقيّد خياله أو أنْ تحدّ مِنْ أحلامه وطموحاته.


وهذا، طبعاً، لا ينفي مشاعر المقت والرفض للسجن التي يشعر بها السجين.. ولا يشعر بها – بالتأكيد – الإنسان المتواجد بين جدران الفيسبوك. أمَّا الخبرة الشعوريَّة الأخرى التي يحيلني إليها الفيسبوك، فهي شعور الإنسان الموجود في قاعة عرض سينمائيَّة، حيث الأضواء مطفأة، والانتباه مركَّز على وقائع الفيلم الذي يجري عرضه على الشاشة أمامنا، وعندما ينتهي الفيلم يكون قد سيطر على خيالنا ومشاعرنا وأخذنا بعيداً عن تفاصيل العالم الحقيقيّ الموجود في الخارج، التي لا نلبث أنْ نعود إليها دفعة واحدة ما أنْ تُضاء أنوار الصالة ونخرج مِنْ باب السينما إلى الشارع. قد تكون هاتان صورتين غريبتين، ولكن من الطبيعيّ أنْ يبني الإنسان استجاباته الشعوريَّة الحاليَّة على خبراته الشعوريَّة المتراكمة في مختلف مراحل حياته.


بقي أنْ أشير إلى أنَّني اشتركتُ في الفيسبوك والتويتر في الوقت نفسه تقريباً، ولكنَّني لم أتشجَّع للاستمرار في التواصل على التويتر كما أنا على الفيسبوك؛ فالأخير أكثر حيويَّة، وتنوّعاً، وغنىً ثقافيّاً ومعرفيّاً، ومتعةً، وأوسع مجالاً للتعبير.


في الختام، أقدّم تحيّاتي ومودَّتي وأطيب تمنّياتي لأصدقائي في الفيسبوك، وكذلك لأصدقائي في التويتر، مع اعتذاري للأخيرين عن انقطاعي المستمرّ عنهم.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال