جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

سعود قبيلات ▣Osama Al-Ajarmeh ties his shoes to keep walking.

حسنا!

تمَّ الحكم على النَّائب المستقيل (وليس السَّابق وليس المُقال وليس المفصول)، أُسامة العجارمة، بالسّجن، 12 عاماً.. تماماً كما اشتهى النِّظام ودبَّر؛ فهل أخذ النِّظام ثأره أخيراً مِنْ هذا الشَّابّ الوطنيّ الحُرّ الشُّجاع وأشفى غليله؟! وهل تعتقد العصابة الحاكمة أنَّها تستطيع الآن أن تنام قريرة العين، لتواصل التَّدمير والنَّهب والاستغلال والاستبداد، بعد ذلك، كيفما تشاء؟!

قبل أشهر من احتجاجه الصَّاخب واستقالته بكلّ عنفوانها مِنْ مجلس النُّوّاب، لم يكن أكثرنا قد سمع باسم أسامة العجارمة، وكان بالنِّسبة لنا جميعاً مجرَّد فردٍ مِنْ أفراد مجلسٍ نيابيٍّ هندس النِّظام انتخاباته على نحوٍ مكشوف؛ لكنَّ أسامة سرعان ما أصبح الاستثناء الَّذي كسر القاعدة، وأصبح البرهان السَّاطع على عدم إمكانيَّة تدجين الشَّعب وضبط إيقاعه بشكلٍ كاملٍ.. مهما كانت قوَّة أساليب الضَّبط ودقَّتها وشمولها.

وهذا جرسُ إنذارٍ قويّ للنِّظام!

أُسامة الآن خلف القضبان، وفي نيَّة النِّظام المعلنة أنَّه سيبقى كذلك لمدَّة 12 سنة! هل سيبقى الحال في البلاد على حالته البائسة هذه لمدّة 12 سنة؟! إذا كان ذلك كذلك، فالأفضل لأسامة أن يكون خلف القضبان، بل الأفضل لكلّ حُرّ آخر أن يكون أيضاً خلف القضبان.

يقول الجشطلتيّون: «الكلّ أكبر مِنْ مجموع أجزائه».. 

والإنسان مكوَّنٌ مِنْ جسدٍ ونفسٍ؛ لكنَّه، في الواقع، أكبر مِنْ ذلك بكثير؛ فمِنْ جِماع هذا كلّه يتكوَّن الإنسان الفكرة. وإذا كان النِّظام قد حجز إسامة العجارمة الجسد والنَّفس خلف القضبان، فإنَّه لن يستطيع – مهما فعل – أن يحجز أسامة الفكرة؛ الفكرة لا تزال طليقة، وستظلّ طليقة، وستكتسب المزيد من الزَّخم والألق والحرّيّة. ولا يستهين بهذا إلا جاهل أو تلميذ فاشل في درس التَّاريخ.

عند اعتقال أُسامة، ساد في البلاد صمتٌ غريبٌ مطبق، بل مخزٍ، ووُضِعَت المبادئ والقيم المعلنة على المحكّ ففشلتْ في الامتحان. وباستثناء كاتب هذه السُّطور – الَّذي كان له شرف كتابة سلسلة من المقالات عن القضيَّة العادلة لأسامة العجارمة الَّتي هي قضيَّة وطن وشعب – كانت الأفواه، آنذاك، تكاد تكون كاملة الانغلاق أو أنَّها كانت تغيِّر مجرى الكلام وتخنِّثه، وتخلَّت الأحزاب والقوى السِّياسيّة والشَّخصيّات العامّة عن القيام بواجبها، فجلستْ تراقب النِّظام وهو يتغوَّل (ويستقوي)، ليس على أسامة العجارمة وحده.. بل أيضاً على الحرّيَّة والدِّيمقراطيَّة والقانون والحقّ والعدل والمؤسَّسات، وشمل القصور حتَّى منظَّمات حقوق الإنسان؛ فلم تتمكَّن هذه مِنْ رؤية جانب حقوق الإنسان في قضيَّة سَجن نائبٍ قام بواجبه، ومصادرة حقوقه، وتقييد حُرِّيَّته.

بالتَّأكيد، سيتمّ النَّظر إلى هذه الواقعة، يوماً ما، كواقعة خزي وعار كالحة.

ولم يصحُ النَّائمون مِنْ يقظتهم إلا وقد أصبح الدّستور، والحياة السِّياسيّة بمجملها، ومستقبل البلاد وسيادتها واستقلالها، في خبر كان (أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثَّور الأبيض). ولكن، الآن، مع جلسة المحاكمة الأخيرة، رأينا زخماً ملموساً في حركة التَّضامن مع أسامة العجارمة. وفي رأيي، هذه هي البداية فقط..

في كلّ الأحوال، لن يصبح أسامة العجارمة نسياً منسياً كما يريد النِّظام ويُضمر؛ ولن يصبح مصيرة عِبرة لمَنْ يعتَبِر – كما يريد النَّظام أيضاً ويُضمِر – بل إنَّه سيكون مثالاً وقدوة ونموذجاً لكلّ إنسانٍ وطنيّ حُرّ؛ كما لن تكون حركته الاحتجاجيّة غير المسبوقة مجرَّد صفحة تُطوى، بل هي منذ الآن أفقٌ واسعٌ مفتوحٌ على الاحتمالات بلا حدود.

لو كان أُسامة العجارمة قد قبل التَّنصّل مِنْ مواقفه وتنكَّر لها، لكان الآن خارج السِّجن، وربَّما لكان يجلس على مقعده النِّيابيّ أو على أيّ مقعدٍ آخر رسميّ.. مغرٍ بالنِّسبة لكثيرين؛ لكنَّه كان، عندئذٍ، سيخسر نفسه، ويخسر رمزيَّته، وكان سينكمش ليعود إلى كونه مجرَّد فرد في مجاميع تمَّت هندستها.

بمناسبة النّطق بالحكم على أُسامة العجارمة بالسِّجن، تداعت في خاطري ذكرى خاصّة. ومن المؤكَّد أنَّ كثيرين من الأردنيين لديهم – طوال المئة سنة الماضية – ذكريات مماثلة.. في ظلّ هذا النِّظام الوظيفيّ التَّابع والفاسد والمستبدّ..

تذكَّرتُ جلسة النّطق بالحكم عليَّ في المحكمة العسكريّة في ماركا في أواخر العام 1979.. كنتُ قد اُعتُقِلتُ – آنذاك – على إثر الانتفاضة الطّلّابيّة الكبيرة الَّتي اندلعت في الجامعة الأردنيّة في أعقاب زيارة مناحيم بيغن للإسماعيليّة لاستكمال إبرام اتِّفاقيِّة كامب ديفيد. وقال رئيس المحكمة غالب سليمان، وهو ينطق بالحكم عليَّ: عشان نشافة رأسك، قرَّرنا الحكم عليك بالسِّجن خمس سنوات!

ونشافة رأسي، هي أنَّني رفضتُ أن أتنكَّر لمواقفي وأستنكر مبادئي وأُعلن ولائي للملك و«حكومته الرَّشيدة» (كما كانت تنصّ الصِّيغة الرَّسميّة الموحَّدة لـ«إعلان البراءة»)، مع وعدٍ بأن يُطلَق سراحي فوراً وأحصل على منصبٍ حكوميٍّ مغرٍ.

قبل ذلك.. بالتَّحديد، قُبيل إيداعي في سجن المحطّة وتقديمي للمحكمة العسكريّة، كان الضَّابط المحقّق في دائرة المخابرات العامَّة قد قال لي، بعد نفض اليد مِنْ إمكانيَّة تغيير موقفي: نقترح عليك أن تذهب إلى تشيكوسلوفاكيا أو هنغاريا (ولم أعرف لماذا اختار هذين البلدين بالتَّحديد)، وتستطيع هناك أن تُنظِّر كيف ما بِدَّك؛ لكن، قبل مغادرتك، تكتب لنا أنَّك غادرتْ البلاد بإرادتك.

كان ذلك في مكتب التَّحقيق في مبنى المخابرات الأقدم الَّذي كان موجوداً في أحضان المبنى الأزرق القديم في العبدليّ، وكانت أبواب مكاتب التَّحقيق تفتح على ساحة التَّعذيب، فقلتُ للمحقِّق جواباً على اقتراحه: والله لو نصبتوا لي مشنقة في ساحة التَّعذيب هذي، ما خرجتُ من البلد.

فقال لي عندئذٍ: في هذي الحالة، سيتمّ إنزالك إلى سجن المحطَّة ثمّ يُحكَم عليك بالسِّجن لسنوات.

عند عودتي من المحكمة في «السِّيارة الزِّنزانة» – كما كنّا نسمِّيها – أخذ مسؤول الحراسة، واسمه «أبو عبد الله» وكان برتبة وكيل، يلومني لأنَّني – برأيه – جنيت على نفسي وضيَّعتُ مستقبلي بموقفي ذاك في المحكمة. ولكن، بعد انتهاء مدَّة محكوميَّتي وفي اليوم المحدَّد لخروجي من السِّجن، فوجئتُ بالوكيل أبي عبد الله نفسه، ينتظرني عند بوَّابة السِّجن، وما إن رآني حتَّى احتضنني بحرارة، وقال لي، على نحوٍ مؤثِّر: أنا كنتُ اليوم في إجازة، وقد قطعتُ إجازتي وجئتُ لأودِّعك.

وكانت، هذه، أوَّل بادرة إنسانيّة أشعرتني بأنَّ السَّنوات الَّتي قضيتها في السِّجن لم تذهب سُدى، ولم تكن البادرة الأخيرة.

أُسامة العجارمة الآن في السِّجن.. محروم مِنْ حُرِّيَّته ومحروم مِنْ عائلته ومِنْ حياته الطَّبيعيَّة، إلا أنَّ هذا أشرف له كثيراً مِنْ لو أنَّه ظلّ خارج السِّجن ووجد نفسه شريكاً في إقرار القرارات الكارثيّة.. القرارات الَّتي دفنت الدّستور ودفنت ما تبقَّى من السِّيادة الوطنيَّة. وكان سيكون شريكاً فيها حتَّى لو اتَّخذ موقف المعارِض لها بأعلى صوته؛ فهو يعرف أنَّ معارضته، في هذه الحالة، ليست إلا مجرَّد «كْمالة» مطلوبة للإيهام بشرعيَّة العمليّة الزَّائفة الَّتي مرَّرت هذه القرارات اللاوطنيَّة واللاديمقراطيَّة.

موقف أسامة العجارمة، كان واضحاً (وسبَّاقاً) مِنْ هذه المسألة، ففي نصّ استقالته مِنْ مجلس النّوّاب، الَّتي تقدَّم بها «إلى جموع الشَّعب الأردنيّ الواحد العظيم» أوَّلاً، ثمّ إلى رئيس المجلس ثانياً، قال إنَّ استقالته «تتعلَّق بحجم التَّشوّهات الدّستوريَّة النَّاظمة للحياة السِّياسيّة، وبالأخصّ العمل البرلمانيّ، وعلى رأس تلك التَّشوُّهات، صلاحيَّة الملك بحلّ مجلس النُّوّاب متى شاء».

وأضاف قائلاً إنَّ هذا «يدلّ على أنَّنا لا نزال نعيش في أزمنة العبوديَّة، وإنَّ الشَّعب الأردنيّ الحرّ لن يحظى يوماً بمجلسٍ نوّاب حقيقيّ يمارس دوره بكلّ قوّة وحُرِّيَّة، فهو (كما يفترض) مجلس أُمّة لا مجلس ملك».

وبناء عليه، ختم قائلاً: «وبكلّ ما في النَّفس مِنْ عزَّة، أتقدَّم باستقالتي هذه الَّتي لا عودة عنها».

وما حدث بعد ذلك، للحياة السِّياسيَّة، أسوأ بكثير مِنْ ذلك الوضع الَّذي اعترض عليه أُسامة العجارمة.

وبما أنَّ جانباً أساسيّاً من الصِّراع في البلاد، هو الصِّراع المتعلِّق بالوعي (أو تزييفه)، يتجاهل الإعلام في الأردن (وهو إمَّا رسميّ، أو شبه رسميّ.. لكثرة ما يخضع للاشتراطات الرَّسميَّة) أنَّ النِّظام تعامل مع استقالة العجارمة بنزق، فأوعز بالرَّدّ عليها بقرار الإقالة. وهكذا، يزيِّفون الحقيقة، فيتكلَّمون عن الإقالة ويغفلون الاستقالة، ويقولون: النَّائب «المفصول» أو «المُقال» أو حتَّى «السَّابق».. الخ.

في الأردن، لا يجوز لأحدٍ أن يتجرَّأ على الاستقالة. وإذا ما حدث ذلك (وهو نادر)، فلا تُقبَل الاستقالة، بل يُردُّ عليها بالإقالة!

إنَّه شيء مِنْ ميراث العصور الوسطى.

على أيَّة حال..

كُنتُ أقول دائماً إنَّ الزَّمن في السِّجن – مهما طال – هو عبارة عن يومٍ واحدٍ طويل ممطوط. وستمضي مدّة سجن أُسامة العجارمة في النِّهاية – سواء أكانت يوماً واحداً أو 12 سنة – وسيخرج وقد كسب نفسه وكسب كرامته وحافظ على موقفه وقضيَّته، وسنكون كسبنا بذلك مناضلاً وطنيّاً رمزاً..

نحن بحاجة إلى المزيد من الرّموز الوطنيَّة. النِّظام جرَّف الحياة السِّياسيّة طوال المئة سنة الماضية، وطمس الرّموز والشَّخصيَّات الوطنيّة، وروَّج سرديّة زائفة تتمركز حوله.. بدلاً من السَّرديّة الحقيقيَّة للبلاد والشَّعب، ولا يمكن إصلاح ذلك إلا بالمزيد من النِّضالات الوطنيّة الحازمة والمزيد من التَّضحيات السَّخيَّة الباسلة والمزيد مِنْ خلق الرّموز الوطنيّة النَّاصعة.

قال أنطون سعادة وهو في طريقه إلى المشنقة: «الحياة وقفة عزّ فقط».

ثمّ أضاف قائلاً: «أنا لا يهمّني كيف أموت، بل من أجل ماذا أموت؟ لا أعدّ السِّنين الَّتي عشتها، بل الأعمال الَّتي نفّذتها. هذه الليلة سيعدمونني، أمَّا أبناء عقيدتي فسينتصرون، وسيجيئ انتصارهم انتقاماً لموتي. كلّنا نموت، ولكنّ قليلًا منّا مَنْ يظفرون بشرف الموت مِنْ أجل عقيدة».

وأختم، بقصَّة «مشي»، مِنْ كتابي «مشي»، وهي قصّة مكثَّفة جدّاً، وتقول:

«كان رجُلٌ يمشي، أدخلوه السِّجن، فقال: أربطُ حذائي.

ومرَّتْ سنوات، أنهى الرّجلُ رَبْطَ حذائه، وبينما هو خارجٌ من السِّجن، قال: الآن، أواصل المشي».

الحُرِّيَّة لأُسامة العجارمة..

الحُرِّيَّة لكلّ سُجناء القضيَّة الوطنيَّة وحرِّيَّة الرَّأي والتَّعبير..
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال