سعود قبيلات ▣
مُنِحَتْ جائزة نوبل للسَّلام، في
هذا العام، للفنزويليَّة ماريا كورينا ماتشادو؛ فما هي أعمالها الباهرة في خدمة
السَّلام الَّتي استحقَّت بسببها أنْ تُمْنَح «جائزة السَّلام»؟
أوَّلاَ: دعمها الشَّديد للكيان
الصّهيونيّ الغاصب؛ بل هي مِنْ بين قِلَّة من السِّياسيين، في العالم كلّه، الَّذين
لا يزالون يدعمون هذا الكيان علناً..
وبُعيد إعلان فوزها بالجائزة، بادر
مجرم الحرب بنيامين نتنياهو إلى الاتِّصال بها، وهنأها، وأثنى على جهودها لتعزيز
ما أسماه «الدِّيمقراطيَّة والسَّلام»..
فما كان منها إلّا أنْ جدَّدت
التَّعبير له عن دعمها لـ «إسرائيل»، وتقديرها لجهود «إسرائيل» ضد إيران التي
وصفتها بأنها عدوّ مشترك لـ «إسرائيل» وفنزويلا..
المقصود طبعاً، فنزويلا الأُخرى
الَّتي يسعون إلى قيامها بدعم من الولايات المتَّحدة والغرب والكيان الصّهيونيّ.
تجدر الإشارة، هنا، إلى أنَّ ماتشادو
سبق أن تعهَّدت بأنَّها، إذا وصلت إلى السلطة، ستقوم بنقل سفارة فنزويلا (المغلقة
حاليّاً)، لدى الاحتلال، إلى القدس المحتلة.
ثانياً: معارضتها للرَّئيس مادورو؛
والرَّئيس شافيز، قبله؛ لأنَّهما نقلا فنزويلا مِنْ كونها دولة تابعة للولايات
المتَّحدة، ومنهوبة مِنْ شركاتها، وخصوصاً شركات النَّفط، إلى كونها دولة
مستقلَّة، تُسيطر على ثرواتها، وتسير على طريق التَّحرُّر الوطنيّ والتَّقدُّم
الاجتماعيّ؛ كما نقلاها مِنْ كونها دولة صديقة للكيان الصّهيونيّ إلى كونها دولة
معادية له، ومؤيِّدة بشدّة للحقوق الوطنيَّة والإنسانيَّة للشَّعب الفلسطينيّ..
شافيز ومادورو وصلا إلى السُّلطة
بالانتخاب، وليس بانقلاب عسكريّ؛ ومَنْ سعى إلى الاستيلاء على السُّلطة بوسائل
انقلابيَّة غير ديمقراطيَّة هو الولايات المتَّحدة وأتباعها..
وعلى سبيل المثال، ففي تاريخ 11
نيسان 2002، دبَّرت الدَّوائر الأميركيَّة انقلاباً عسكريّاً في البلاد، وقام
الانقلابيّون باعتقال الرَّئيس هوغو شافيز ونقلوه إلى مكانٍ قصيّ، تمهيداً
للتَّخلّص منه، وسارعت الولايات المتَّحدة إلى الاعتراف بالانقلاب رسمياً كسلطة
حاكمة شرعيَّة (برأيها)، متناسيةً كُلَّ ثرثراتها عن الدِّيمقراطيَّة وصندوق
الاقتراع؛ بيد أنَّ الشَّعب الفنزويلي خرج إلى الشَّوارع بحشود هائلة، وأسقط
الانقلاب، خلال 47 ساعة، وأعاد الرَّئيس شافيز إلى دَفَّة السُّلطة..
فماذا فعل شافيز، بالانقلابيين، بعد
اعتقالهم؟
لا شيء؛ حتَّى أنَّه لم يسجنهم.
هذا هو الحُكم «الدِّيكتاتوريّ»،
الَّذي تشكو منه الولايات المتَّحدة، وتُجاريها (بل تخدمها) في ذلك لجنة جائزة
نوبل!
العالم مليء بالدِّيكتاتوريَّات
الحقيقيَّة المجرِمة؛ لكنّ لجنة جائزة نوبل لم ترَ أيَّاً منها؛ وبدل ذلك، اخترعت
ديكتاتوريَّة تناسب أهواء الأميركيين؛ لتساهم بقسطها في العداء لها، حسب الطَّلب
الأميركيّ!
والأسوأ هو التَّوقيت الَّذي فعلت
ذلك فيه..
هذا التَّوقيت فضيحة، بحدِّ ذاته..
فيا لغرائب الصُّدف! تَمَّ مَنْح
جائزة نوبل لماتشادو بالتَّزامن مع شروع الولايات المتَّحدة بالتَّحرُّش، على نحوٍ
فظّ ومكثَّف، بفنزويلا، تمهيداً للعدوان عليها، وإعادة احتلالها!
هذه هي الأعمال السِّلميَّة العظيمة
الَّتي استحقَّت ماتشادو عليها جائزة نوبل للسَّلام.
العالم، كُلّه، مصدوم، الآن، مِنْ أعمال
الإبادة الجماعيَّة الَّتي تجري أمام أنظاره في غزَّة؛ ونتنياهو وقادة الكيان
الصّهيونيّ مطلوبون للمحكمة الجنائيَّة الدَّوليَّة بجريرة هذه الجرائم؛ وبالمقابل،
ثمَّة كثيرون في مختلف أنحاء العالم يُناضلون مِنْ أجل وقف أعمال العدوان على
الشَّعب الفلسطينيّ في غزَّة؛ لكن لجنة جائزة نوبل لم ترَ شيئاً مِنْ هذا..
ولذلك، لم تفكِّر، مثلاً، في منح
الجائزة للطَّواقم الطِّبيَّة في غزَّة الَّتي واصلتْ عمَلَها الإنسانيّ تحت القصف
المنهجي المتعمَّد للمستشفيات وسيَّارات الإسعاف، والَّتي تُضطرّ لإجراء العمليَّات
الجِراحيَّة مِنْ دون تخدير..
ولم تفكِّر في منحها لأيٍّ من النَّاس
الَّذين تمَّ تشريدهم مراراً وتجويعهم حتَّى الموت؛ ولا حتَّى لأيٍّ من المناضلين
في مختلف أنحاء العالم ضدّ هذه الأعمال الوحشيَّة الَّتي يرتكبها الكيان
الصّهيونيّ؛ بل، على النَّقيض مِنْ ذلك، رأت «ديكتاتوريَّة» مادورو المزعومة، وكافأت
ماتشادو الَّتي تُعلن تأييدها لجرائم العدوان الصّهيونيّ على الفلسطينيين، مِنْ
دون أنْ يرفّ لها جفن..
ثُمَّ، بِكُلّ وقاحة، يُسمُّونها
جائزة للسَّلام!
في العام 1925؛ مُنِحَتْ جائزة نوبل للأديب والمفكِّر الإيرلندي المعروف، جورج برنارد شو، فرفض تسلّمها؛ وربَّما كان أوَّل أديب ومفكِّر يفعل ذلك (وليس الأخير)؛ وقال، في معرض رفضه لها: «إنَّني أَغفِر لنوبل أنه اختَرع الدِّيناميت لكنَّني لا أغفرُ له أنَّه اخترع جائزة نوبل».
جرائم جائزة نوبل الأخرى، وفضائحها، كثيرة؛ وتستحقّ إلقاء المزيد من الضَّوء عليها..




