جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

سعود قبيلات 
شُيوعيّ وسَلَفيّ وطبيب عسكريّ
مرَّتْ، يوم الثّلاثاء قبل الماضي (7 تمّوز/يوليو)، ذكرى اعتقالي، الذي تَبِعَه تقديمي إلى المحكمة العسكريّة، لتحكم عليَّ بالسِّجن خمس سنوات، أمضيتها كاملةً في «سجن المحطّة» الذي كان قائماً قرب محطّة سكّة الحديد في عمّان.

وقد كان سبب اعتقالي هو قيادتي للمظاهرات الكبيرة التي اندلعت في الجامعة الأردنيّة واستمرّت حوالي ثلاثة أسابيع.. ابتداءً مِنْ أواخر شهر آذار/مارس 1979، للاحتجاج على زيارة مناحيم بيغن للإسماعيليّة ولقائه بالرئيس المصريّ الراحل محمد أنور السادات هناك ليوقِّعا الاتِّفاقيّات الَّتي كانا قد توصَّلا إليها في كامب ديفيد في الولايات المتّحدة.

بقيتُ مطارداً وأقيم في بيوت سرّيّة حوالي ثلاثة أشهر. وفي تاريخ 7 – 7 – 1979، السَّاعة السَّادسة مساءً، وقعتُ في كمينٍ أُعِدَّ لاعتقالي أمام  «جامع أبو درويش» في الأشرفيّة (وهذا له قصّة فصّلتها في موضوعٍ آخر منشور في هذه المدوَّنة بعنوان «مِنْ صقر واحد إلى صقر اثنين.. الهديّة وصلت..»). وحوالي السَّابعة مساءً كُنتُ رهن «حفلة» التَّعذيب في مبنى دائرة المخابرات العامّة القديم في العبدليّ. وقد ركَّزوا ضغوطهم عليَّ، عندها، لأخبرهم بالمكان الذي أخفاني الحزب الشيوعيّ الأردنيّ فيه طوال الأشهر الثلاثة الماضية.

ثمَّ، بينما أنا مكبَّلٌ ومطروحٌ أرضاً، بعد حفلة التعذيب، وقد تجمّعوا حولي وكانوا يتصايحون بأصواتٍ عدائيّة حاقدة، وأحدهم يدقُّ رأسي بجدار ساحة التعذيب الخشن، ويشتمني شتائم بذيئة، وأنا أردُّ عليه قائلاً: «عيب عليك.. عيب عليك.. هذا كلام شوارع» – وصل سميح البطّيخيّ، رئيس قسم مكافحة الشّيوعيّة، آنذاك (مدير دائرة المخابرات العامّة في ما بعد)، وطلب من المشاركين في حفلة التَّعذيب أنْ يتركوني ليجلس معي على انفراد. جلسنا في أحد مكاتب التَّحقيق، وتكلّم البطّيخيّ معي مطوّلاً؛ فبدأ حديثه قائلاً إنَّه حضر مِنْ منزله ما إنْ أُعلِمَ باعتقالي. وراح يُكثر مِنْ استخدام كلمات مثل الرِّفاق والحزب والنِّضال.. وما إلى ذلك.

وبالمختصر، بنى خطابه، في مواجهة قناعاتي، على المضمون التَّالي: أنت الآن طالب جامعيّ على أبواب التَّخرُّج (كنتُ في الفصل النَّهائيّ لدراستي)، ولذلك، من الأفضل لك أنْ تمنح نفسك إجازةً من النِّضال لتكمل دراستك وتحصل على الشّهادة الجامعيّة وتضمن مستقبلك. ولا يتطلَّب الأمر منك لتحصل على هذه الفرصة سوى أن توقّع على ورقة، بيننا وبينك، تتبرّأ فيها مِن الحزب الشّيوعيّ الأردنيّ وتستنكر مبادئه؛ وأنْ تخبرنا عن المكان الذي كنتَ مخبَّأً فيه؛ وتدلي باعترافٍ يتضمَّن أسماء الطّلّاب الحزبيين (كانت الأحزاب - آنذاك - غير مرخَّصة وتخوض نشاطها وفق أسلوب العمل السرّيّ). وفي ما بعد يمكنك ، إذا شئتَ، العودة إلى النِّضال وتحمّل تبعاته.

وكان، بين الحين والآخر، يقول لي: آ. ماذا تقول؟

فأقول له: ليس لديَّ ما أقوله.

وفي النِّهاية، أخرجني مِنْ مكتب التحقيق، وأمر الضبّاط والعناصر الذين كانوا ما زالوا في مكانهم السَّابق في ساحة التعذيب، بأن يعلِّقوني على «الفرّوجة». وراح يعيد أسئلته السَّابقة عليّ وأنا على الفرّوجة، فأقول له: ليس لديّ ما أقوله.

وبعد وقتٍ بدا لي طويلاً، قال لهم: فكّوه.

فَكّوني ووقفتُ، فاستدار ومشى مبتعداً، بينما راح مروان قطيشات (الَّذي أصبح في ما بعد رئيس قسم مكافحة الشّيوعيّة) يضع سائلاً ما بوساطة قطعة قطن صغيرة على الجروح المنتشرة على ظهري. 

لم يكن سميح البطّيخيّ قد ابتعد كثيراً، عندما استدار نحوي فجأة بحركة بدتْ لي مسرحيّة، ليقول لي بلهجةٍ فيها الكثير من التَّحدِّي والتَّنمُّر المتَّكئين على سطوة السلطة: اسمع. أمامك ثلاثة أشهر، إذا غيَّرتَ موقفك واستنكرتَ، سأحرص على أنْ آتي بنفسي لأبصق في وجهك.

ثمَّ استدار، مرَّةً أخرى، نحو المخرج، ومضى.

وكانت تلك آخر مرَّة أراه فيها؛ فقد أفشلتُ رهانه على كسري بالقوّة الغاشمة، وظلَّتْ أسماء الأماكن التي خُبِّئتُ فيها مكتومةً حتَّى هذه اللحظة، ولم أتنصَّل مِنْ قيمي ومبادئي.. حتَّى هذه اللحظة أيضاً، ولم أشِ بأحدٍ مِنْ رفاقي وزملائي ومعارفي.

على أيَّة حال..

كما تعوَّدتُ أن أقول، فإنَّ مَنْ يُسجَن لسنوات، تلتصق به دائماً صفة السَّجين السَّابق (وفي بعض الحالات، قد يكون سجيناً لاحقاً أيضاً). 

وفي البرنامج الوثائقيّ، الَّذي أَعدَّته فضائيّة «الجزيرة» في العام 2005 عن تجربتي، قلتُ إنَّ السَّجن مثل الحرب.. تجربة لا يمكن للإنسان نسيانها أو التَّوقّف عن استعادة تفاصيلها حتَّى نهاية العمر.

وهنا، أتذكَّر  كلاماً مدهشاً عن السِّجن، لمحمد الماغوط؛ إذ قال، في أواخر سِنيّ حياته، لمجلّة عربيّة: «إنَّني أحمل السِّجن على ظهري مثل ماكيت مجسَّم».

الماغوط كان قد سُجِنَ لمدَّة تسعة شهور في أوائل ستينيّات القرن الماضي. لذلك، أدهشني جدّاً أنَّه بعد مرور مدّة طويله على سجنه القصير نسبيّاً كان يفكِّر في السِّجن على هذا النحو! 

والآن، بمناسبة مرور ذكرى اعتقالي في هذا الشَّهر، وبينما أنا أرى النِّظام القائم في بلادنا يعود إلى سياسته القديمة المرفوضة التي تتمثَّل بالاعتقالات التعسّفيّة المتذرِّعة بقوانين كبت الحرّيّات وتكميم الأفواه (وهي قوانين تتعارض مع أبسط المعايير والقيم الديمقراطيّة)، وإذ أعبِّر عن رفضي واستنكاري لهذه السياسة العقيمة الَّتي جُرِّبت طويلاً ولم تُجدِ، فإنَّني أودّ أنْ أستعيد مِنْ أيَّام اعتقالي ذكرى قد تبدو الآن طريفة لكنّها آنذاك كانت غير ذلك تماماً:

ذات مرَّة، أخذني الجنديّ المناوب على حراسة الزنازين إلى الحمّام، فمرَّ بي مِنْ أمام زنزانة بدت لي موحشة جدّاً وكئيبة أكثر مِنْ سواها، فقلتُ لنفسي وأنا أمرّ بها: ليساعد الله مَنْ يوضع فيها!

كان رقمها 11، ولم أعرف هل كان أخذي للمرور مِنْ أمامها عفويّاً أم متعمَّداً؛ فبعد يوم أو يومين تمَّ نقلي إليها.

كانت الزنزانة رقم 11 ضيِّقة، ومنعزلة تقريباً في نهاية ممرّ تحيطه الزنازين من الجهتين، في الطابق الأرضي مِنْ مبنى المخابرات الأقدم الذي كان موجوداً في أحضان مبنى المخابرات الأزرق الشهير القديم الذي كان يُسمَّى «فندق أبو رسول».. نسبة إلى مدير المخابرات الأشهر، في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، محمد رسول الكيلاني. وكانت لتلك الزنزانة نافذة صغيرة بالقرب من السقف.. في أعلى الجدار الواقع في الجهة اليمنى بالنسبة للداخل مِنْ باب الزنزانة. حيث كانت ثمَّة أعمال بناء صاخبة تجري في الخارج مِنْ جهة تلك النافذة الصغيرة، التي لم تكن تعلو عن مستوى الأرض من الجهة الخارجيَّة إلا بما لا يزيد على نصف المتر تقريباً.

وكان أكثر ما يزعجني، مِنْ بين أعمال الصيانة الدؤوبة الصاخبة تلك، صوت كمبريصة كانت تعمل بصورة متواصلة من الساعة الخامسة صباحاً إلى الساعة الخامسة مساءً. وكما بدا لي آنذاك، كانت تلك الكمبريصة موجودة في مكانٍ ما قريبٍ جدّاً مِنْ نافذة الزنزانة.

وطوال الوقت، الذي كانت فيه تلك الآلة تعمل، كان الضَّجيج الهائل الذي يسبِّبه صوتها المزعج، ينحشر في زنزانتي، وبالأحرى، في أذنيَّ ورأسي. وكان ضيق المكان وانغلاقه مِنْ كلّ الجهات، ما عدا تلك الفتحة الصغيرة العالية في الجهة المجاورة للكمبريصة، يضاعف قوَّة الضَّجيج ويجعله يحيط بي مِنْ كلّ الجهات ويسبِّب لي عذاباً حقيقيّاً لا يُطاق.

تحمَّلتُ الأمر بصعوبة في اليوم الأوَّل والثاني، ثمَّ خبطتُ للحارس المناوب على الباب وقلت له إنَّني أطلب نقلي إلى زنزانة أخرى، لكنَّه أغلق الطَّاقة وانصرف مِنْ دون أنْ يبدي اهتماماً بطلبي. كرَّرت ذلك أكثر مِنْ مرَّة بعد ذلك، بلا فائدة. وفي النِّهاية، قرَّرتُ أنْ أبلِغ الحارس بأنَّني مضرب عن الطَّعام إلى أنْ يتمَّ نقلي مِنْ تلك الزِّنزانة.

صادف، آنذاك، أنَّنا كنّا في شهر رمضان، وكانوا يأتون بالطَّعام في العادة قبل موعد الإفطار بنصف ساعة ويضعونه على قطعةٍ مربَّعة من الجلد الصّناعيّ يفردونها على أرض الزّنزانة، ثمَّ يغلقون الباب. وكنتُ قبل إضرابي أشرع فوراً بتناول الطَّعام ما إنْ يوضع أمامي، حيث كان الحارس يصيح بي في العادة قائلاً: لا تأكل؛ لم يحن بعد موعد الإفطار.

وكنتُ أقول له: لا تضع الطَّعام أمامي، إذاً، قبل موعد الإفطار.

وأُتابع الأكل..

وعندئذٍ كان يدير ظهره لي، مِنْ دون أنْ يعلِّق، ويغلق الباب خلفه ويمضي.

أمَّا يوم إعلاني الإضراب، فما إنْ وضع الحارس الطَّعام أمامي حتَّى طلبتُ منه أنْ يُبلِغَ رؤساءه بأنَّي مضرب عن الطَّعام إلى أنْ ينقلوني مِنْ تلك الزِّنزانة الموحشة التي كنتُ محتجزاً فيها. نظر إليَّ متفاجئاً وبدا كما لو أنَّه كان يريد أنْ يقول لي شيئاً، ولكنَّه بدلاً مِنْ ذلك أدار ظهره لي وأغلق الباب ومضى.

أصبحتُ بعد ذلك وحيداً مع الطَّعام الَّذي كان مكوَّناً مِنْ قطعة لا بأس بها مِنْ لحم الضأن المطبوخ باللبن موضوعة فوق صحنٍ من الأرز وإلى جانبه صحنٌ آخر مليء بمرق اللحم المطبوخ باللبن وقطعة من الخبز. فبدتْ لي رائحة الطَّعام شهيَّةً جدّاً، ورحتُ أمسك نفسي عنه بصعوبة وأنا أعرف أنَّني قد شرعتُ بمغامرة خطيرة لا أعرف كيف ستكون نهايتها ولا كم ستطول مدّتها.

بعد ساعة، فُتِحَ الباب ودخل العسكريّ كما هو معتاد ليأخذ الأوعية الفارغة، ولكنَّه وجدها لا تزال ملأى كما هي هذه المرَّة. وعندئذٍ، تصنَّع عدم معرفة السَّبب الَّذي منعني مِنْ تناولها، وسألني بلهجةٍ مستنكرة: لماذا لم تأكل طعامك؟!

قلتُ له: لقد قلتُ لك مِنْ قبل بأنَّني مضربٌ عن الطَّعام إلى أنْ يتمّ نقلي مِنْ هذه الزِّنزانة.

قال بلهجةٍ حَرِصَ على أنْ تبدو واثقة: هذا لن يفيدك.

وترك الطَّعام في مكانه وأغلق باب الزِّنزانة ومضى.

عند السّحور جاء حارسٌ آخر وفتح باب الزِّنزانة كما هو معتاد، وعندما رأى طعام الإفطار لا يزال كما هو، تصنَّع المفاجأة، وقال مستنكراً: لماذا لم تأكل طعامك؟!

قلت: لقد قلتُ لزميلك الَّذي كان مناوباً في المساء بأنَّني مضربٌ عن الطَّعام إلى أنْ يتمَّ نقلي مِنْ هذه الزِّنزانة.

فكرَّر تقريباً كلام زميله قائلاً: هذا لن يفيدك؛ تناول طعامك أفضل لك.

ثمَّ شال صحون الطَّعام القديم، ووضع بدلاً منها طعام السّحور، وأغلق الباب خلفه ومضى، ليتركني وحيداً، مرَّةً أخرى، مع الطَّعام الجديد. وكان عليَّ أيضاً أنْ أقاوم بصعوبة شهوتي المتفاقمة للطَّعام وجوعي الشَّديد.

وفي الصَّباح، جاء حارسٌ آخر، وفتح باب الزّنزانة، كما هو معتاد، ليأخذ أوعية الطَّعام، الَّتي كان من المفروض أنْ تكون فارغة، ولكنَّه وجد الطَّعام على حاله؛ فتصنَّع الدَّهشة، وسأل مستنكراً: لماذا لم تأكل سحورك؟!

قلتُ: لأنَّني مضربٌ عن الطَّعام.

قال وكأنَّه لا يعرف: ولماذا أنتَ مضربٌ عن الطَّعام؟!

قلتُ: لأنَّني أريد أنْ يتمّ نقلي مِنْ هذه الزِّنزانة.

قال ساخراً: يا سلام!

وما لبث أنْ أضاف: ولماذا تريد نقلك مِنْ هذه الزنزانة؟!

قلت: بسبب ضجيج هذه الكمبريصة الَّذي تسمعه الآن.

لاحتْ على وجهه ابتسامة ساخرة، وأدار ظهره لي وأغلق الباب ومضى.

بُعيد الظُّهر تقريباً، فُتِحَتْ الطَّاقة الصَّغيرة الموجودة في أعلى باب الزِّنزانة الحديديّ المصفَّح، وأطلَّ منها ضابطٌ برتبة نقيب بلباسه العسكريّ، وكان الحارس المناوب يقف خلفه، وقال لي بأنَّه مدير السِّجن، ثمَّ سألني عن سبب امتناعي عن تناول الطّعام. فقلتُ له بأنَّني أطلب نقلي مِنْ هذه الزِّنزانة لأنَّ الكمبريصة الَّتي تعمل بانتظام وبصورة متواصلة عند الطَّاقة القائمة في أعلى الجدار ترهق أعصابي.

قال مستنكراً: وهل تظنّ نفسك مقيماً في فندق لكي نعتني براحتك وراحة أعصابك ونضعك في الغرفة الَّتي تعجبك؟!

ثمَّ أضاف موضِّحاً: أنتَ معتقل، وإذا كنتَ تريد أنْ تخلِّص نفسك مِنْ هذه الورطة المزعجة التي ورَّطتَ نفسك فيها، فما عليك إلا أنْ تتعاون مع المحقِّق كما يجب ومِنْ ثمَّ تذهب إلى بيتك وتواصل حياتك بالشَّكل الَّذي تريده.

قلتُ: لا شيء عندي أقوله للمحقِّق، وأطلب نقلي مِنْ هذه الزِّنزانة.

قال: قيل لي إنَّك طالب في الجامعة.. ماذا تدرس؟

قلتُ: علم النَّفس.

قال: طيِّب! ما دام الأمر كذلك، فيجب أنْ تكون إنساناً عاقلاً، إذاً، وواعياً، وتعرف مصلحتك فتكفّ عن هذه التصرّفات الَّتي لا تليق بطالب جامعيّ. إنَّك تعرف أنَّ إضرابك عن الطَّعام لن يفيدك؛ فلماذا تسبِّب لنفسك متاعبَ إضافيَّةً فوق متاعبك الكبيرة مع الاعتقال والتَّحقيق؟

قلتُ: سواءٌ أأفادني هذا أم لم يفدني، فلن أتناول الطَّعام مجدَّداً ما دمتُ في هذه الزِّنزانة.

قال غاضباً: عمرك لا أكلت! أتحسب أنَّنا نهتمّ لأمرك؟ أنتَ لن تحصل على شيء سوى أذى نفسك.

ثمَّ أغلق الطَّاقة ومضى.

قبل موعد الإفطار بنصف ساعة، جاء الحارس المناوب كالمعتاد وشال طعام السّحور القديم ووضع طعام الإفطار بدلاً منه. وقال لي ناصحاً: كل طعامك؛ هذا أفضل لك؛ فلن تستفيد مِنْ تجويع نفسك.

ولم أقل شيئاً، وأغلق الباب ومضى، وأنا أتمزَّق من الجوع وأمسك نفسي بصعوبة عن الطَّعام.

بعد اليوم الثَّالث، أصبح أمر الإضراب سهلاً جدّاً؛ لم تعد نفسي تشتهي الطَّعام، وبالتَّالي لم أعد أبذل أيَّ جهدٍ في صدِّها عنه، ولكنَّ جسدي كان قد أصبح واهناً وقدرتي على بذل أيّ جهدٍ أصبحتْ أضعف.

استمرَّ الحال على هذا المنوال حتَّى اليوم الخامس؛ حيث جاء الحارس المناوب وطلب منِّي أنْ آتي معه، وصعد بي إلى الطَّابق الثَّاني، فمررنا بساحة التَّعذيب الَّتي كانت تقع في الوسط بين عددٍ مِنْ مكاتب التَّحقيق، طرق باب أحدها، وعندما سمع صوتاً في الداخل يقول له أدخل، فتح الباب وأدخلني ثمَّ أغلقه خلفي ومضى.

وجدتُ المحقِّق جالساً وراء طاولة خشبيّة قديمة. كان هذا هو المحقِّق الثَّاني الَّذي أُنتُدِبَ للتَّحقيق معي.. السَّابق كان قد قام بالدّور الأكثر فظاظة، أمَّا هذا فيقوم بدور المتعاطف معي الذي «يريد أنْ يساعدني على التَّخلّص من الورطة التي ورَّطتُ نفسي فيها». طلب منِّي أنْ أجلس على مقعدٍ خشبيٍّ قديم أمامه. فجلستُ، وعندئذٍ، رأيت أمامه على الطَّاولة مجموعة مِنْ عصيّ الخيزران موضوعة إلى جانب بعضها البعض. ثمَّ راح ينظر إليَّ بتمعّن وهو يحرِّك قدميه ويديه بحركاتٍ إيقاعيَّةٍ منتظمة على نحوٍ بدا لي مريباً.

تصنَّعتُ عدم الانتباه لحركاته الغريبة تلك، فقال لي متصنِّعاً نفاذ الصَّبر: وآخرتها معك! إلى متى ستواصل هذه التصرّفات الصّبيانيَّة التي لا تليق بك ولا بأيّ إنسانٍ عاقل؟!

ولم أقل شيئاً؛ فقد كان جسمي واهناً ولم أُرد أنْ أبدِّد طاقتي في الرَّد، كما أنَّني لم أجد أنَّ ثمَّة فائدة في الردّ على كلامه ذاك.

قال: أتظنّ أنَّ الأمر يهمّنا؟! إذا كنت تظنّ ذلك فأنت واهم. ستموت في النِّهاية إذا ما واصلتَ إضرابك وسنجرّك مِنْ زنزانتك مثلما تُجرّ الشَّاة الميِّتة.

قلتُ: إذا متُّ فلن يهمّني كيف تتعاملون مع جثَّتي، ولكنَّني إلى ذلك الحين لن أقبل أنْ تُفقدوني عقلي وكرامتي.

قال: ولماذا تضع نفسك أمام خيارات غير صحيحة؛ فالحلّ بيدك؛ أرح نفسك وأرحنا ولن تعود هناك مشكلة. ألم ترَ زملاءك الذين باحوا لنا بما لديهم مِنْ معلوماتٍ عنك وعن سواك واستنكروا الأفكار الهدَّامة التي تصرّ على التَّمسّك بها.. ألم ترهم وقد أُطلِق سراحهم وعادوا إلى بيوتهم وإلى دراستهم وواصلوا حياتهم بصورة طبيعيَّة؟ الأمر بسيط جدّاً، كما ترى، ولا حاجة لكلّ هذا العناء. وفوق ذلك، إذا تعاونتَ معنا، سنكافئك بعدما تنهي دراستك بوظيفةٍ جيّدة، وسيكون لك مستقبلٌ مرموق. الحلّ بيدك.

قلتُ: الحلّ ليس بيدي؛ فأنا لم آتِ إلى هنا بإرادتي، بل أنتم جئتم بي.

قال: ولكنَّك تستطيع، بإرادتك، أنْ تخرج مِنْ هنا، وأنْ تكون رابحاً أيضاً.

قلتُ: لو كنتُ فعلاً أستطيع الخروج مِنْ هنا، لَمَا تردَّدتُ في ذلك لحظة واحدة.

قال غاضباً: تستطيع؛ ولكنَّك لا تريد. على أيَّة حال، إذا كنتَ مصرّاً على موقفك الخاطئ هذا، فعليك إذاً أنْ تتحمَّل تبعاته مهما كانت وتتقبَّل وضعك الحاليّ كما هو؛ وأوَّل ما يجب أنْ تفعله هو أنْ تفكّ إضرابك فوراً، وإلّا سأطب من الحارس أنْ يأخذك إلى ساحة التَّعذيب، وسيكون ما واجهته فيها سابقاً هيِّناً مع ما ستواجه الآن. لن يحلّوا عنك إلا عندما تتعاون مع التَّحقيق.

تذكَّرتُ بالطبع قسوة الألم الذي سبق أنْ واجهته في ساحة التَّعذيب، لكنَّني قلتُ لنفسي بأنَّه لا خيار آخر أمامي سوى الاستمرار بالإضراب، إذا ما أردتُ الحفاظ على كرامتي، واحترامي لنفسي، وصيانة مبادئي، وثقة وتقدير أصدقائي ورفاقي وكلّ الذين يحبّونني. ولم أعلِّق على كلام المحقِّق. فضغط على زرٍّ كهربائيٍّ بجانبه، وسمعتُ صوت الجرس يرنُّ خارج الغرفة بصورة ملحَّة وحادَّة. ثمَّ سمعتُ دقَّاتٍ خفيفة على باب مكتب التَّحقيق.

وقال المحقِّق: أُدخل.

ودخل العسكريّ ووقف أمامه منتصباً. فقال له: حضِّروا السَّاحة.

قال العسكريّ: أمرك سيدي.

وغادر الغرفة وأغلق الباب.

وعندئذٍ قال لي المحقِّق: آ. ما رأيك؟ أتذهب إلى ساحة التَّعذيب أم تفكّ إضرابك؟

قلتُ: لا خيار أمامي سوى الاستمرار في الإضراب ما لم أُنقل مِنْ هذه الزِّنزانة.

قال بعصبيَّة بدتْ لي مفتعلة: ما الَّذي تعتقد أنَّك ستجنيه مِنْ كلّ هذا الحركة الحمقاء؟

ولم أقل شيئاً.

وتابع كلامه قائلاً: ستخسر دراستك وستمضي أعزّ سنوات عمرك، زهرة شبابك، خلف القضبان، بينما ينهي بقيَّة زملائك في هذه الأثناء دراستهم، ويحصلون على وظائف جيِّدة، ويتقدَّمون في الحياة، ويترقّون في الوظائف، ويصنعون بيوتاً وأسراً. أمَّا أنت فستكون لا شيء ولن تحصل على شيء.

ولم أقل شيئاً.

قال وقد بدا نافذ الصَّبر: الله لا يردّك!

وضغط الزِّر الكهربائيّ الموجود بجانبه، وسمعتُ صوت الجرس الحادّ يتردَّد خارج الغرفة.

دخل العسكريّ نفسه وانتصب أمام المحقِّق. وعندئذٍ فوجئتُ بالمحقِّق يقول له: خذه إلى زنزانته.

وقمتُ مع العسكريّ، فنزل بي إلى الطَّابق الأسفل وفتح باب الزِّنزانة، فدخلتها، وأغلق الباب عليَّ ومضى. كان طعام سحور الليلة الماضية لا يزال في مكانه مِنْ دون أنْ يمسَّه أحد.

تمدَّدتُ على «بُرشي» بسكينة تامَّة. ولم يعد صوت الكمبريصة يزعجني.

بعد دقائق قليلة، فُتِحَ الباب مرَّةً أخرى ودخل العسكريّ نفسه وطلب منِّي أنْ أرافقه. توقَّعتُ بالطَّبع أنْ يأخذني إلى ساحة التَّعذيب أو أنْ يعيدني إلى مكتب التَّحقيق، ولكنَّه تجاوز الدَّرج الصَّاعد باتِّجاه هذين المكانين، وخرج من المبنى القديم كلّه، وسرنا في فسحة صغيرة مفتوحة على الفضاء الخارجيّ، ثمَّ هبطنا درجاً آخر باتِّجاه مبنىً المخابرات الكبير الأزرق. ومررنا بعد ذلك بساحة صغيرة مستطيلة، ودخلنا مِنْ بوَّابة حديديَّة كبيرة، وسرنا في ممرٍّ مضاء إضاءة خفيفة يحاذيه من اليمين عدد كبير من الأبواب. توقَّف العسكريّ عند أحدها وفتحه وطلب منِّي أنْ أدخل. وعندئذٍ، رأيتُ شابّاً ملتحياً يقف عند فراشٍ ليفيٍّ («بُرش») ممدودٍ على الأرض بجوار الجدار الأيمن للغرفة الصَّغيرة، بينما مُدَّ فراشٌ آخر فارغ بجوار الجدار الأيسر. أغلق العسكريّ الباب ومضى. ألقيت تحيَّةً حذرة على الشَّابّ الملتحي وردَّ عليَّ بالحذر نفسه، ثمّ جلس على الفراش الليفيّ الذي كان يقف عنده، وجلستُ على الفراش الليفيّ الآخر.

سألني الشَّابّ عن التّهمة الَّتي أنا معتقلٌ بسببها، فقلت له: شيوعيّ.

بدا مندهشاً جدّاً، وقال لي بأنَّه للمرَّة الأولى في حياته يلتقي بشيوعيّ.

وسألته عن تهمته، فقال بالعربيَّة الفصيحة: يسمُّوننا جماعة التَّكفير والهجرة.

ثمَّ ذكر لي اسماً آخر يطلقه أنصار هذه الجماعة على أنفسهم ولكنَّني نسيته بسرعة.

قلتُ له: لقد عرفتُ الآن لماذا أتوا بي إلى هذه الزنزانة بالتَّحديد؛ يريدوننا أنْ ننوب عنهم في تعذيب بعضنا البعض. وأنا أرى أنْ نفوِّت عليهم الفرصة ونحبط تدبيرهم. ومِنْ أجل هذا، فلنتَّفق على أنْ يسود التَّفاهم والسَّلام بيننا ما دمنا موجودين معاً في هذه الزِّنزانة. أنا وأنت الآن معتقلان، والَّذي يعتقلنا هو الطَّرف نفسه، فلنتَّفق إذاً على أنَّ أفكار كلٍّ منَّا هي شأنٌ يخصُّه، وأنَّ هذا المكان ليس هو المكان المناسب للنِّقاش في شأنها والصِّراع بينها، ويجب أنْ نتجنّب خوض مشاحنات عبثيَّة بسبب اختلاف آرائنا وتناقض مبادئنا. بالمختصر، فلنتعاون معاً مِنْ أجل أنْ تكون حياتنا في هذه الزنزانة أقلّ مشقَّة وعناءً مِنْ ما يريدونه لها.

بخلاف ما خشيتُ، بدا مرتاحاً لاقتراحي، وقال بلهجة لم تخلُ من الحماس: طبعاً.. طبعاً.

بعدئذٍ، حدَّثني عن قصِّة اعتقاله في بلد عربيٍّ آخر وقيام حكومة ذلك البلد بتسليمه للسلطات في الأردن. ثمَّ قال لي فجأة بلهجة متردِّدة: لطالما سمعتُ عن الشّيوعيَّة، ولكن مِنْ خصومها فقط، وهذه هي المرَّة الأولى الَّتي أقابل فيها شيوعيّاً كما قلتُ لك، فهل يمكن أنْ تشرح لي ما هي مبادئكم؟

قلتُ له: لا أريد أنْ أطرق مواضيع قد تثير نقاشاتٍ حادَّة بيننا.

قال بلهجة بدت لي صادقة: لا؛ لن تكون هناك نقاشات حادَّة؛ أنا فقط أريد أنْ أعرف، ولا أنوي إبداء رأيي في ما سأعرفه.

فشرعتُ، عندئذٍ، أحدِّثه عن الشّيوعيَّة، وعندما أنهيتُ حديثي قلتُ له إنَّني أنا أيضاً أقابل للمرَّة الأولى في حياتي شخصاً مِنْ جماعة التَّكفير والهجرة، واستدركتُ، قائلاً، «كما يسمّونكم»، وإنَّني كنتُ دائماً أسمع وأقرأ عن هذه الجماعة ما يقوله عنها خصومها فقط، ولذلك فإنَّني راغب في أنْ أسمع منه عن جماعته وأفكارها؛ ففعل.

وبعد ذلك، سكتنا وانفرد كلٌّ منَّا بالحديث إلى نفسه. ولكنَّه ما لبث أنْ قال لي بلهجة مهذَّبة: أنا تعوَّدتُ دائماً أنْ أقرأ القرآن بصوتٍ مسموع؛ أيزعجك لو قرأتُ بعضاً منه الآن؟

قلتُ: لا؛ أبداً؛ بل سيسرّني أنْ أسمعك وأنتَ تقرأ.

وعندئذٍ، تناول مصحفاً مِنْ جانبه وشرع يقرأ. وظللنا على هذا الحال؛ هو يقرأ وأنا أسمع، إلى أنْ فُتِحَ باب الزِّنزانة قبل الإفطار بنصف ساعة. دخل العسكريّ المناوب ووضع قطعة الجلد الصِّناعيّ المعلومة على الأرض، ثمَّ وضع فوقها صحني مقلوبة وعليهما قطعتان مِنْ لحم الضَّأن، وصحنا سلطة خيار باللبن، مع قطعتي خبز وملعقتين، ثمَّ أغلق الباب ومضى.

نظر إليَّ زميلي الملتحي وقال: قم وتناول طعامك.

قلت: لا؛ سأنتظر الأذان ونتناول الطَّعام معاً.

قال: أنت لستَ بصائم؛ فلماذا تنتظر حتَّى الأذان؟!

قلت: الطَّعام يكون شهيّاً بصورة أكبر عندما يتشارك الناس في تناوله.

قال: ولكنَّني لا أتناول إفطاري بعد الأذان مباشرة، بل أصلِّي أوَّلاً ثمَّ أتناول طعامي.

قلتُ: سأنتظرُ إذاً إلى أنْ تفرغ مِنْ صلاتك.

قال: ولكن لا داعي لهذا؛ ثمَّ ما ذنبك لتنتظر كلّ هذا الوقت؟

قلتُ: سأكون مسروراً عندما نأكل معاً أكثر ممَّا لو أكلتُ منفرداً.

وأخذنا نتبادل الحديث إلى أنْ تناهى إلينا صوت الأذان؛ وعندئذٍ رجاني مرَّةً أخرى وألحَّ عليَّ لكي أقوم وأتناول طعامي، لكنَّني رفضتُ. فقام وشرع يصلِّي. وعندما انتهى من الصلاة، جلسنا معاً بالقرب مِنْ طعامنا، فإذا به يأخذ قطعة اللحم المخصَّصة له ويضعها في صحني، فأخذتها وأعدتها إلى صحنه. ولكنَّه قال لي إنَّه لا يستطيع أنْ يأكلها لأسباب دينيَّة لأنَّه ليس واثقاً مِنْ أنَّ الشَّاة التي اقتطعتْ منها هذه القطعة قد ذبحتْ بحسب الشَّريعة الإسلاميَّة. وبالتَّالي فمن الأفضل أنْ آكلها أنا إذا لم يكن لديَّ مانع. وعندئذٍ، شرعنا بالأكل إلى أنْ أتينا على محتويات صحوننا. ثمَّ قمنا وجلس كلٌّ منَّا على فراشه، ورحنا نتبادل الحديث.

بعد ساعة تقريباً، طرأتْ عليَّ تبدّلات غريبة؛ إذ صارت معدتي بكاملها تقفز في صدري إلى الأعلى، بصورة متتابعة، وبشدَّة، إلى حدّ أنَّني كنتُ أحسّ بأنَّها تكاد تخرج مِنْ فمي. وبالكاد كنتُ أستطيع التَّنفّس. فبدا القلق واضحاً على وجه زميلي في الزّنزانة، وقفز بسرعة إلى الباب وراح يدقّ عليه بقبضته بقوَّة. وما لبثت الطَّاقة الموجودة في أعلى الباب أنْ فُتِحَتْ، وأطلَّ منها العسكريّ المناوب متسائلاً، فأخبره زميلي بأنَّني مريض جدّاً وأحتاج للعرض فوراً على طبيب. أغلق العسكريّ الطاقة ومضى، ولكنَّه لم يلبث أنْ عاد بعد قليل وطلب منِّي أنْ آتي معه. فسرنا في الممرّ المضاء إضاءة خفيفة، وخرجنا من المبنى إلى الباحة التي أمامه، ثمَّ صعدنا عبر الدَّرج الَّذي كنتُ قد هبطتُ بوساطته ظهر ذلك اليوم. كان الليل قد حلّ، وأنارت المكان الأضواء الكهربائيَّة. دخلنا المبنى القديم الصَّغير، وصعدنا الدَّرج المؤدِّي إلى مكاتب التَّحقيق وساحة التَّعذيب، ونقر العسكريّ باب أحد المكاتب وأدخلني ودخل في إثري. كان المحقِّق يجلس خلف الطاولة باسترخاء. وسألني عن المشكلة الصّحيَّة التي أعاني منها. وكانت معدتي لا تزال تواصل القفز، فأشرتُ إلى صدري. وعندئذٍ سألني عن نوعيَّة الطَّعام الَّذي تناولته. فأخبرته. فقال لي مندهشاً وهو يغالب ابتسامة لاحت على وجهه: فككتَ إضرابك بوجبة مقلوبة؟! ألا تعرف أنَّ هذا ما سيحدث لك في هذه الحالة؟! كان يجب أنْ تتناول في البداية كأساً من العصير أو الحليب وليس وجبةً دسمة كهذه.

قلتُ بأنَّني لم أكن أعلم؛ فهذه هي المرَّة الأولى في حياتي الَّتي أُضرِبُ فيها عن الطَّعام. عندئذٍ قال لي إنَّهم سينقلونني إلى «المدينة الطّبيَّة» لمعالجتي هناك. ثمَّ طلب من العسكريّ الَّذي كان لا يزال واقفاً بجانبي أنْ يأخذني، فهبط هذا بي عبر الدَّرج، وخرجنا إلى ساحةٍ أخرى مضاءة، ورأيت سيَّارة جيب عسكريَّة تقف هناك في وسط السَّاحة. كان ثمَّة جنديّ مسلَّح ببندقيَّة مِنْ نوع م16 يقف خلف السَّيَّارة؛ سلَّمني العسكريّ الَّذي كان يرافقني له ومضى. وطلب منِّي الجنديّ أنْ أصعد إلى السَّيَّارة من الخلف، فصعدتُ ووجدتُ في الداخل جنديّاً آخر كان مسلَّحاً ببندقيَّة مماثلة. ثمَّ صعد الجنديّ الَّذي كان في الخارج، وطلب منِّي أنْ أمدَّ يديَّ الاثنتين نحوه فوضع حول معصميهما قيدين حديديّين متَّصلين معاً بسلسة معدنيَّة، وأغلقهما. ورأيتُ في الأمام السَّائق وكان هو أيضاً عسكريّ، وقد جلس إلى جانبه عسكريّ آخر مسلّح ببندقيَّة.

انطلقتْ السَّيَّارة العسكريَّة بنا، وعبرتْ البوَّابة الحديديَّة الكبيرة التي تتوسَّط الجهة الغربيَّة مِنْ سور المخابرات الكبير العالي الذي يحيط بالمبنيين (الأزرق الكبير، والأقدم الصَّغير)، وسارت مِنْ ثَمَّ في الشَّوارع المضاءة الَّتي لم أرها منذ اعتقالي، ورحتُ أنظر بانتباه إلى السَّيَّارات والنَّاس والمباني.

عندما وصلنا «المدينة الطبيَّة»، أنزلوني من السَّيَّارة ودخل معي ثلاثة جنود بينما بقي السائق في السَّيَّارة. وما إنْ دخلنا بوَّابة المبنى الكبير المخصَّص للحالات الطَّارئة حتَّى وجدنا أنفسنا في ردهةٍ واسعة خالية من الأثاث باستثناء طاولة خشبيَّة قديمة كان يجلس إليها رجل بالملابس العسكريَّة وقد وُضِعَتْ أمامه مجموعة من الأوراق وقلم وجهاز هاتف قديم بقرصٍ دوَّار.

سألني الرَّجل الجالس إلى الطاولة عن اسمي ودوَّنه في أوراقه، ثمَّ مضى إلى الدَّاخل حاملاً الورقة الَّتي دوَّن فيها اسمي، وعاد بعد قليل، ودعاني لدخول عيادة الطَّبيب.

فكَّ أحد الجنود الَّذين كانوا يرافقونني قيودي ومضيت إلى الدَّاخل برفقة الجنود الثلاثة، ودخلنا على طبيبٍ عسكريٍّ شابّ برتبة ملازم، لكنَّه ما إنْ رآنا حتَّى قال: ليدخل المريض وحده وليخرج الآخرون.

فاحتجَّ الجنديّ الذي كان في أثناء مجيئنا يجلس إلى جانب السَّائق، قائلاً: يجب أنْ ندخل معه؛ لا نستطيع أنْ نتركه وحده؛ فهو في عهدتنا.

قال الطَّبيب: ولكنَّه لن يكون وحده؛ بل سيكون معي.

قال الجنديّ: لا نستطيع أنْ نتركه مع أحد آخر إلّا بوجودنا.

قال الطَّبيب: وأنا لا أستطيع أنْ أستقبل المريض إلا إذا كان وحده.

قال الجنديّ: ولكن يا دكتور نحن لدينا أوامر ولا نستطيع أنْ نخالفها.

قال الطبيب: وأنا لديَّ أصول مهنيَّة لا أستطيع أنْ أخالفها.

قال الجنديّ: نحن ملزمون بالدّخول معه.

قال الطَّبيب: إذاً خذوه وعودوا به إلى المكان الذي أحضرتموه منه.

قال الجنديّ: ولكنَّه مريض، يا دكتور، ويحتاج إلى العلاج.

قال الطَّبيب: سأعالجه إذا تركتموه عندي لوحده كما تقتضي الأصول الطّبيَّة.

وكنتُ أتابع جدال الطَّرفين الدائر في شأني صامتاً، كما لو أنَّه لا يعنيني.

ابتعد الجنود عنِّي وعن الطَّبيب قليلاً وقرَّبوا رؤوسهم مِنْ بعضها البعض وراحوا يتهامسون في ما بينهم. ثمَّ عادوا بعد قليل واقتربوا منَّا، وقال الجنديّ نفسه الذي كان قبل قليل يجادل الطَّبيب: نريد أنْ نتَّصل بمسؤولينا ونسألهم عمَّا إذا كانوا يوافقون على أنْ يدخل المريض العيادة وحده.

قال: حسناً! اسألوا.

وأخذوني وعادوا إلى حيث يوجد العسكريّ الجالس عند الباب، واستأذنوه في أنْ يستخدموا الهاتف الموجود لديه للاتِّصال بمسؤوليهم، فأذن لهم. وعندئذٍ تقدَّم الجنديّ نفسه الَّذي كان يتجادل مع الطَّبيب، وأدار قرص الهاتف، وطلب رقماً معيَّناً. ثمَّ سمعته يحدَّث شخصاً ما عن واقعة رفض الطَّبيب استقبالي إلا إذا كنتُ وحدي. وفي النهاية، سأله عن توجيهاته بهذا الخصوص. وما لبث أنْ وضع السَّمَّاعة وهو يكرِّر عبارة: حاضر سيِّدي.

كان زملاؤه ينظرون إليه مستفهمين؛ فقال لهم: وافقوا على دخوله وحده.

وسار بي باتِّجاه العيادة، وقرع الباب، ثمَّ فتحه، وأدخلني على الطَّبيب وقال له: وافق مسؤولونا على دخوله وحده.

قال له الطبيب: جيِّد؛ اتركه عندي وأغلق الباب وراءك.

أغلق الجنديّ الباب ومضى. ونظر الطَّبيب إليَّ وقال مازحاً: ما الَّذي فعلته حتَّى يشدِّدوا حراستك إلى هذا الحدّ؟

جاريته في مزاحه؛ فقلتُ: ألم تلاحظ أنَّني مجرم خطير؟!

قال وهو يبتسم: هذا واضح تماماً.

ثمَّ سألني عن المشكلة الصِّحيَّة التي كنتُ أعاني منها، فأخبرته بها وبظروفها. فطلب منِّي أنْ أصعد إلى سرير الفحص، وقاس ضغطي ثمَّ وضع السَّمَّاعة الطّبيَّة على مواقع مختلفة مِنْ صدري وراح يتنصَّت بإمعان. وفي النهاية قال لي بأنَّ الأمر بسيط، وبأنَّه سيعطيني بعض الأدوية، وسيكون كلّ شيءٍ على ما يرام.

كنتُ شابّاً في عشرينيّات عمري آنذاك. وسار «كلّ شيءٍ على ما يرام» لمدّة خمس سنواتٍ تالية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشِرَ قسمٌ كبير مِنْ هذه الوقائع، على شكل قصّة بعنوان «ضجيج قديم»، في كتابي «كهفي» الصَّادر في العام 2011، ونُشِرَت قصَّة «ضجيج قديم» مع قصص أخرى لي، في مجلَّة «بانيبال» الَّتي تصدر في لندن باللغة الإنجليزيّة، ضمن ملفّ عن أدب السّجون.
تعليق واحد
إرسال تعليق

  1. ذكريات من الزمن القبيح الجميل نشتاقها إذ بتنا في زمن قبيح قبيح

    ردحذف

إعلان أسفل المقال