جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

سعود قبيلات 

عندما وُضِعَ زوجُ الحسناء بين براثن الوحش
أعني الكاتبَ المسرحيَّ الأميركيَّ الكبير آرثر ميللر (17 تشرين الأوَّل/أكتوبر 1915 – 10 شباط/فبراير 2005)، أحد أبرز رموز المسرح الأميركيّ إلى جانب يوجين أونيل وتنيسي وليمز؛ فهو، بالنسبة لكثيرين، مجرَّد شخصٍ كان الزوج السابق (والأخير) لأسطورة السينما الأميركيَّة الراحلة مارلين مونرو، وبالنسبة لبعض أدوات القمع التابعة للأوليغارشيّة الحاكمة الأميركيّة، فهو - كما سنرى لاحقاً - مجرَّد شخص أحمق لا يعرف كيف يتصرَّف.

كان ميللر في الرابعة عشرة مِنْ عمره عندما خسر والدُه ثروتَه وانهارت الأحوال الاقتصاديّة لأسرتِه.. بسبب الأزمة الاقتصاديّة الكبرى التي وقعت في العام 1929. وبعد ذلك، اضطرّ للعمل في مهن مختلفة - إلى جانب متابعة دراسته – ليوفِّر لقمة عيشة وينفق على دراسته.. حيث أنَّه عمل، مثلاً، جرسوناً في مطعم، وسائقَ شاحنة، وعاملاً في مصنع، وسائق تراكتور.. وظلّ هكذا إلى أن نجح ككاتب مسرح وسينما وراح يكسب لقمة عيشه مِنْ مردود قلمه.

ولقد تأثَّر ميللر كثيراً بالآلام الممضّة والمرارات الكبيرة والمعاناة الشديدة التي تعرَّض لها هو وتعرَّضت لها أسرته بعد الآزمة الاقتصاديّة الكبرى؛ فصَوَّرَ في كتاباته المختلفة ضروب الفاقة والقهر وفقدان الطمأنينة وغياب الشعور بالاستقرار؛ وعبَّر عن العداء الشديد للاستغلال الطبقيّ والقهر الاجتماعيّ والسياسيّ والتمييز العنصريّ والتعصّب الدينيّ.

في لقاءٍ أجرته معه صحيفة الباييس الإسبانيّة في أواخر حياته، قال ميللر: «الخراب الكامل الذي حلّ بعالمنا العائليّ في تلك المرحلة قد علَّمني بأنَّه لا شيء يبقى مستقرّاً في هذا العالم، وإنَّ عدم الأمان هو المبدأ الوحيد الصالح، وأُدرِكُ الآن بأنَّه لولا خسارة أبي تلك ما كان لي أن أكون أبداً كاتباً مسرحيّاً. إنَّ مصيره حاضرٌ في كلّ عملٍ مِنْ أعمالي[1]».


تحت ضوءٍ ليس له..

بالنسبة لكثيرين – كما أسلفنا – فإنَّ زواج ميللر بمارلين مونرو هو الذي سلَّط الكثير من الضوء عليه وليس أعماله الأدبيّة المهمّة. وصف الكاتب المصريّ الكبير يوسف إدريس هذا الحال المؤسي لميللر على النحو التالي.. قال: «وكنت وأنا سائرٌ معه في الشارع الخامس في نيويورك، وهو طويلٌ — أطول ممّا يجب — وجهُهُ ظاهرٌ لأيّ عيان، وبالكاد يتعرَّف عليه أناسٌ قلائل تماماً، ودائماً بعد أن نمضي أقارن (بيني وبين نفسي) وأقول: لو كنتَ سائراً مع مارلين مونرو، ألم يكن الشارع كله قد وقف تماماً عن حركته؟»[2]. بل إنَّ يوسف إدريس نفسه، ما إن التقى بميللر في مؤتمرٍ أدبيّ في العام 1988، حتَّى بادره قائلاً: «كلِّمني عن مارلين مونرو لقد شبعنا من الأدب»[3].

التقى آرثر ميللر بمارلين مونرو في العام 1951، عن طريق المخرج إيليا كازان الذي كان «صديق العمر» بالنسبة له آنذاك ثمَّ سرعان ما تحوَّل إلى يهوذا الإسخريوطيّ[4]. ويقول دونالد سبوتو، في كتابه «مارلين مونرو – السيرة» (1993): «بدا لها ميلر فارساً مِنْ كُتُب الحكايات، وهكذا كسب تقديرها. في شعورٍ خصبٍ كهذا وُلِدَ الحبُّ بينهما لكنّ وصوله إلى مرحلة النَّماء احتاج إلى خمسة أعوامٍ أخرى»[5].

تزوَّج ميللر بمارلين مونرو خلال الفترة الواقعة ما بين العامين 1956 و1961. وبرأي ليون كرون، صديق مارلين المُقرَّب وعالِم الجينات، فقد كانت العلاقةَ بينها وبين ميللر تمثِّل نمطاً مِنْ «قصة بجماليون التقليديّة: ميللر كان يحاول أن يجعل منها امرأةً مصنوعة». وأوضح ليون قائلاً: «أعتقد أنَّ ذلك كان يتسبَّب لها بتوتُّرٍ كبير»[6].

أمَّا ميللر، فقد قال في مسرحيَّته «بعد السقوط»، التي صدرت بعد انتحار مونرو: «قسوة المعاناة التّي كانت تشعر بها كانت ستحول دون قدرتها على القيام بأيّ عملٍ آخر»[7]. وكان يقصد أيَّ عملٍ آخر سوى التمثيل.

ويرى أكثر مِنْ متابع أدبيّ وفنّيّ أنَّ انطباعات ميللر عن علاقته بمارلين مونرو، وكذلك أثرها العميق في نفسه، يبدوان واضحين في عددٍ مِنْ أعماله المسرحيّة والسينمائيّة.. ومنها: مسرحيّته «بعد السقوط» التي كتبها بعد انتحار مونروا، وسيناريو فيلم «اللامنتمون» (الذي مثَّلتْ فيه مونرو)، بل وحتَّى آخر أعماله: مسرحيّة «إنهاء الصورة» (2004).

وهذا بينما تحدَّث آخرون عن تأثير ميللر الكبير على زوجته السابقة مونرو، وقد أكَّدت هي نفسها هذا، قائلةً: «ما كان يمكن أن يتزوَّجني لمجرَّد أنَّني شقراء غبيَّة هو الذي يحثّني دائماً على القراءة والكتابة»[8].

نعم، مَرَّ رجالٌ عديدون في حياة مارلين مونرو.. ابتداءً بمرتكب جريمة الاغتصاب التي تعرَّضتْ لها عندما كانت لا تزال في سنّ المراهقة وخلَّفت بنتيجتها ابناً لم تره مطلقاً حتَّى آخر حياتها، ثمَّ الشرطيّ البسيط (والجندي في ما بعد) أبن جارتهم الذي كان الزوج الأوّل لها، وليس انتهاءً بآرثر ميللر، وكذلك ما قيل عن علاقتها بالرئيس الأميركيّ الأسبق جون كينيدي؛ إلّا أنَّ آرثر ميللر هو [الرجل الوحيد الذي أعاد صياغتها، وغيّر خارطة أولويّاتها، وطريقة تفكيرها ليجعلها امرأةً مهتمّةً بتنمية الوعي والفهم لما يدور حولها، ومحاولة منافسة نفسها في القراءة، وشجَّعها على أن تكتب كثيراً وهو ما لم يلتفت إليه أحدٌ[9].

وهكذا، فقد عُرِفَ عنها [أنَّها كانت قارئة نهمة، وتركت بعد رحيلها مكتبةً عظيمة تضمُّ كُتُباً لأهمّ الكتّاب والروائيين في عصرها، لميلتون، وديستويفسكي، وويتمان، وهيمنجواي وكرواك وغيرهم][10].

لكن ذلك كلّه لم ينقذها من الشعور العميق بالغربة الذي كانت تعيشه تجاه نفسها ومحيطها. في إحدى الرسائل التي كَتَبَتها في العام 1960، أي قبل وفاتها بعامين، كتبت قائلةً: «لديَّ إحساسٌ عميقٌ بأنّني لستُ حقيقيَّة تماماً، بل إنَّني زيف مفتعل ومصنوع بمهارة. وكلّ إنسان يحسّ في هذا العالم بهذا الإحساس بين وقتٍ وآخر، ولكنَّني أعيش ذلك الإحساس طيلة الوقت، بل أظنّ أحياناً أنَّني لست إلّا إنتاجاً سينمائيّاً فنيّاً أتقنوا صُنعه»[11]

أمّا ميللر، فوصفها بـ«الفتاة الأكثر حزناً التي قابلها في حياته»[12]، وأوضح قائلاً: «مِنْ أجل أن تعيش فترةً أطول كان يجب أن تكون إمّا أكثر تهكُّماً أو أكثر بُعداً عن الواقع، ممّا كانت عليه؛ بدلاً مِنْ ذلك كانت شاعرةً على ناصية الطريق تحاول أن تتلو أشعاراً لجمهورٍ يشيد بملابسها»[13].

وبالمناسبة، فأثناء زواجها بميللر، تفتَّحتْ قريحةُ مارلين مونرو الشعريّة، وقالت فيه القصيدة التالية:

«حُبِّي ينام بجانبي
ينام حُبِّي بجانبي
تحت النور الخافت أرى فكَّه الرجوليّ
يتراجع ويعود
فم صباه
بعذوبة ولا أعذب
رقَّته ترتعش
في سكونه
وعيناه لا بدَّ أنَّهما
تطلّان بذهولٍ مِنْ كهف
الصَّبيّ الصَّغير
حين كان ينسى الأشياء الَّتي لا يفهمها..
لكن هل سيبدو كذلك حين يموت
أوَّاه يا الحقيقة المحتَّمة الَّتي لا تُحتَمل
ولكن أسرعان ما سيموت حُبُّه
عندي أو أموتُ عنه»[14].

وكتب ميللر عن مونرو قائلاً: «كانت كالضوء الذي يحيطني، يثيرني تناقضاتها وغموضها»[15].

وفي مطلع العام 1961، انفصلا وذهب كلٌّ منهما في طريق. وقد كثُرت الإشاعات في شأن زواج كاتب كبير كميللر بمارلين مونرو، وكان مِنْ ضمنها القول إنَّه تزوَّج بتلك الحسناء الشهيرة ليصرف أنظار جهاز الشرطة الأميركيّة الفيدراليّة FBI عن أنشطته السياسيّة.

وهكذا..

أَدخُلُ، مِن هذا الباب، إلى جانبٍ آخر مِنْ جوانب حياة ميللر لا يقلّ أهمّيّةً عن أهمّيّة أعماله الإبداعيّة، وهو ليس مهمّاً بالنسبة لتاريخه الشخصيّ فقط، بل أيضاً بالنسبة لتاريخ الثقافة والفنّ والأدب (والسياسة) في الولايات المتَّحدة بمجمله. أعني بذلك مُثوله الاضطراريّ أمام «لجنة الكونغرس للنشاطات غير الأميركيَّة» (المكارثيّة) المرعبة وتحقيقها معه.


فسطاطا السيّد مكارثي..

مَنْ يريد أنْ يتعرَّف على تفاصيل أكثر عن حملة المكارثيّة في الولايات المتّحدة، يمكنه الرجوع إلى الموضوع السابق، الذي نشرتُه في هذه المدوّنة تحت عنوان «المكارثيّة.. عندما تردَّى رجال وشمخ آخرون». وباختصار، المكارثيّة كانت حملة فاشيّة شنَّتها الطبقة الحاكمة الأميركيّة (الأوليغارشيّة) على المثقَّفين الأميركيين ذوي التوجّهات اليساريّة. وتجدر الإشارة، هنا (وهذا ما لم نوضِّحه في الموضوع السابق) إلى أنَّ المكارثيّة وظَّفت الدين لخدمة أغراضها السياسيّة الملتوية، على نحوٍ تكفيريّ وغير نزيه.. كما هو الحال دائماً (وبالضرورة) مع كلّ حالات توظيف الدين (أيّ دين) لأغراض سياسيّة؛ حيث دُشِّنَت الحملة بخطابٍ تكفيريّ نموذجيّ ألقاه رئيس «لجنة النشاطات غير الأميركيّة»، السيناتور جوزيف مكارثي (الذي اُشتُهِرَت الحملة باسمه)، في 9 شباط/فبراير 1950، قال فيه: «نحن اليوم إزاء حربٍ شاملة وفاصلة بين المسيحية وبين الإلحاد الشيوعيّ. إنَّ دعاة الشيوعيّة الجُدد قد رأوا أنَّ هذا هو الوقت المناسب لبدء الحرب، وإنَّني – أيُّها السيِّدات والسادة – أوافقهم على رأيهم، وأُعلن أنَّ ساعة الصفر قد أزفت»[16].

وبعد قرعه طبول الحرب، تابع مكارثي خطبته قائلاً: «إنَّ أميركا "المؤمنة" في عداءٍ مباشر مع ماركس، الذي نحَّى الإله جانبًا باعتبارهِ خدعة قديمة، وكذلك مع لينين وستالين، اللذين عبَّرا صراحةً عن استحالة تعايش دولتهم الشيوعيّة مع أيّة دولة يؤمن شعبها بالإله»[17].


سَفَّاح تكفيريّ مِشعِر وبمخالب..

مكارثي هذا [وصفته «مامين كويستلر» زوجة الكاتب البريطاني الشهير «آرثر كويستلر» بأنَّه: «سفَّاح كثيف الشَّعر حادّ المخالب»][18].

وياللمفارقة! ففي إحدى خطبه التي كان يُحرِّض فيها على الرأي الآخر، قال ذو المخالِب هذا: [«إنّ الديمقراطيّة العظيمة إنَّما يتمُّ تدميرها على يد أعداءٍ من الداخل، وليس من الخارج.. إنَّ سبب شعورنا بالعجز لا يكمن في أنَّ عدوّنا الوحيد قد أرسل رجاله لغزو شواطئنا.. ولكن بسبب خيانة هؤلاء الذين أغدقت عليهم أمّتنا مِنْ خيراتها»][19].

وبانطلاق تلك العمليّة الفاشيّة التي وظَّفت الدين لأغراضها السياسيّة القمعيّة، أصبح «شبح الاتّهام بالانتماء للشيوعيّة يطارد جموع الأميركيين في الطرقات وفي عملهم، بل حتّى في منازلهم»[20].


تهمة رَفْض التوبة..

كانت لآرثر ميللر، في أربعينيّات القرن الماضي وخمسينيّاته، علاقة وثيقة بعددٍ مِنْ أهمّ المثقَّفين البارزين الذين كانوا ينتمون إلى الحزب الشيوعيّ الأميركيّ أو كانوا يلتفّون حوله، لكنّه لم يكن عضواً في الحزب. وفي النصف الأوَّل من الخمسينيَّات كتب مقالاتٍ تناهض صراحةً ممارسات المكارثيَّة، وكتب مسرحيَّة «المحنة» («البوتقة») في العام 1953 (وقد حوِّلَتْ إلى فيلم أيضاً) معبِّراً مِنْ خلالها عن الموقف نفسه. وعندئذٍ، بدأت العقبات تظهر في طريق عمله. وعلى سبيل المثال، في العام 1955 أعاقت بلديَّة مدينة نيويورك فيلماً كان من المفروض أن يكتبه ميللر عن عصابات المراهقين ومشكلة المدن، متذرِّعةً بحجج «أخلاقيَّة». وقال أحد أعضاء المجلس البلديّ بصراحة نادرة: «إنَّني لا أصفه بأنَّه شيوعيّ، فاعتراضي هو أنَّه يرفض التوبة»![21]

«التوبة»؟!

عن ماذا؟!

بالتأكيد، التوبة عن التفكير (والتعبير) بحرّيّة؛ والانضواء – بدلاً مِنْ ذلك – في سياق التفكير والتعبير الذي تحدِّده الأوليغارشيّة الحاكمة ليتماشى مع مصالحها الأنانيّة الضيّقّة. ففي النهاية، طلبت منه لجنة المكارثيّة بصراحة أنْ «يكتب بطريقة أقل مأساويّة عن أميركا».

وأصبح معروفاً الآن أنَّ مكتب التحقيقات الفيدرالي قد راقب أنشطة ميللر منذ أربعينيّات القرن الماضي وحتَّى العام 1956. والوثائق المتعلِّقة بمراقبته، التي أفرج عنها الـ FBI بعد وفاة ميللر، تعترف صراحةً بأنَّه لم يكن منضمّاً إلى الشيوعيّين، بل كان يختلف معهم. وكلّ ما في الأمر أنَّه حضر عدداً من الاجتماعات مع كُتّاب آخرين «كان يحضرها واحد أو اثنان من الشيوعيين أمّا الباقون فلم يكونوا كذلك»[22]. وذلك بحسب اعترافه هو نفسه.

المؤكَّد هو أنَّ ميللر كان نصيراً ثابتاً لحرّيّة التفكير والتعبير، ومناهضاً للقمع، لذلك كان يرفض الممارسات القمعيّة التي تقع تحت ذريعة معاداة الشيوعيّة، ويهتمّ بالردّ على الذين كانوا يهاجمون الشيوعيّة.. لم يكن شيوعيًا، وإنَّما كان ضدّ هستيريا العداء للشيوعيّة.. وهذا ما لم يكن مقبولاً في الولايات المتّحدة آنذاك[23].

ومنذ العام 1956، بدأ ميللر يعبِّر عن مواقف ناقدة للاتِّحاد السوفييتي وللشيوعيّين بوجهٍ عامّ. ومع ذلك فقد كان هو من قال على لسان إحدى الشخصيَّات في مسرحيَّته «بعد السقوط»: «لو تخلَّى الجميع عن إيمانهم لما كانت هناك حضارة! لهذا فإنَّ اللجنة تمثِّل وجه المتزمِّتين! وإنَّه لممَّا يدهشني أنَّك تستطيع الحديث عن الصدق والعدالة وأنت تتكلَّم عن هذه العصابة من كلاب الدعاية الرخيصة!».

وعلى سيرة مسرحيّة «بعد السقوط»، يرى إريك بنتلي[24] بأنَّ شخصيَّة المخبر فيها تشبه، بعض الشيء، شخصيَّة إيليَّا كازان، أوَّل مخرج لهذه المسرحيَّة والذي تعاون لاحقاً مع لجنة المكارثيّة ووشى برفاقه وزملائه أمامها.


إجراء مكارثيّ مألوف:منع السفر وعدم تجديد جواز السفر..

أُستُدعيَ ميللر للمثول أمام لجنة مكارثي، للتحقيق معه، في تاريخ 21 حزيران من العام 1956. وفي بداية المحضر، الذي دوَّن وقائع جلسة التحقيق، نقرأ معلومة عن عدم تجديد جواز سفر ميللر في العام 1954. كان آنذاك مدعوّاً لزيارة بلجيكا من الجمعيَّة الأميركيَّة – البلجيكيَّة لحضور افتتاح إنتاج مسرحيّ لمسرحيَّته «البوتقة»[25].

لقد [رُفِض طلبُ استخراجِ جوازِ سفرٍ له بدعوى أنَّ «وجوده خارج البلاد ليس في مصلحة الولايات المتحدة»]. «وطُلِبَ منه أن يكتب بطريقة أقل مأساويّة عن أميركا»[26].

وفي موقع آخر، تسأل «اللجنة» ميللر عن آخر طلبٍ تقدَّم به للحصولِ على جوازِ سفرٍ مِنْ أجل السفر إلى إنجلترا.

«اللجنة»: «ما الهدف؟»

(المقصود الهدف من السفر).

ميللر: «الهدف مزدوج. لديَّ إنتاج في مرحلة البروفات في إنجلترا لمسرحيَّة "مشهد من الجسر". وسأذهب إلى هناك لأكون إلى جانب المرأة التي ستصبح زوجتي (مارلين مونرو). هذا هو هدفي».


جريمة التضامن مع ضحايا القمع..

ينفي ميللر أمام «اللجنة»، أنَّه كان منتظماً في صفوف الحزب الشيوعيّ الأميركيّ. وحين يسألونه عن بعض النشاطات التي رعتها هيئات قريبة من الحزب الشيوعيّ وشارك هو فيها، يقول إنَّ ذاكرته لا تسعفه، ثمَّ يطلب منهم أن يقدِّموا له وثائقاً تؤكِّد مشاركته في تلك النشاطات، وحين يقدِّمون له وثائقاً، يقول إنَّه لم يكن مهتمّاً بالأمر أو مدقِّقاً فيه جيِّداً، وإنَّ مشاركته تلك كانت مِنْ منطلق مناصرته لحريَّة التعبير فقط.

وتسأله «اللجنة» عن تضامنه السابق مع جرهارت آيزلر (المثقَّف الشجاع والمبدئيّ)، ضدّ تحقيقها معه ومعاقبتها له، فينكر في البداية، ثمَّ حين يعرضون عليه بياناً للتضامن مع آيزلر كان هو قد شارك في التوقيع عليه، يقول: «في الوقت الحاضر لن أفعل ذلك، هذا كلَّ ما هنالك»[27].

وتشدِّد «اللجنة» محاصرتها له في موضوع آيزلر، فيقول: «سيِّدي، لم يكن لديَّ معرفة بذلك، وفي تلك الأيَّام لم أكن في حالة تسمح لي بالتدقيق في هذه الأشياء على الإطلاق. وأقول لكم بصراحة إنَّ ذلك كان يناسب الحالة المزاجيَّة التي كنت فيها، ولم أكن لأتكبَّد أيَّة مشقَّة للتدقيق في هذا النوع من الأمور».


جريمة نقد «اللجنة»..

تسأله «اللجنة» عن ما إذا كان يتذكَّر بأنَّه شارك في الهجوم عليها. فيقول: «يمكنني القول إنَّني بكلّ الاحتمالات قد أيَّدت نقد لجنة النشاطات غير الأميركيَّة».

ثمَّ يدَّعي أنَّ اسمه كان يوضع أحياناً على خُطب أو أحاديث ضدّ «اللجنة» مِنْ دون علمه.

فيسألونه قائلين: «سيِّد ميللر، هل قمت بأيّ احتجاج على استخدام اسمك؟».

يقول: «نعم، في بعض الأحيان. كنت أحاول أن أعرف من المسؤول، ولم يكن ذلك سهلاً دائماً. وكان ذلك بعد وقوع الأمر بالطبع، ولم تكن لديَّ طريقة لإصلاح الأمر. لقد قمت باعتراضات».

ولكن، عند سؤاله عن ما إذا كان قد اعترض على استخدام اسمه في مسيرة عامَّة ذهبت إلى واشنطن للاحتجاج على جلسات لجنة الكونغرس للنشاطات غير الأميركيَّة التي استهدفت شيوعيّي هوليوود، قال: «لا، لم أكن لأحتجَّ على ذلك. كنتُ أؤيِّدُ ذلك».


ضربة لقلب الأدب..

في موقعٍ آخر، مِنْ محضر الجلسة، يبدي ميللر معارضته لمحاكمة الأدب على أساس ما يتضمَّنه مِنْ دعوة. فيقول: «إذا أصبحت الدعوة ذاتها جريمة يمكن معاقبتها دون عملٍ مكشوف، فإنَّنا قد وجَّهنا ضربة إلى قلب الأدب، ولستُ أرى كيف يمكن تجنُّب ذلك».

ويقول أيضاً: «إنَّني أعارض فرض أيَّة حدود على حريَّة الأدب، وأعارضه لأنَّني أعتقد أنَّ ذلك ينطوي على نوعٍ مِنْ قمع الأدب ويحمل طابع الكارثة».


جريمة انتقاد الواشي..

ثمَّ تسأله «اللجنة» عن موقفه من إيليَّا كازان بعدما تعاون هذا الأخير معها ووشى برفاقه وزملائه. كان كازان قبل ذلك قد أخرج اثنتين من مسرحيَّات ميللر. وكان يُعتَبَر صديق العمر بالنسبة له؛ لكن، عندما وشى برفاقه وزملائه، قاطعه ميللر وآخرون.. منهم مارلون براندو؛ حيث بلغ الأمر بميللر وبراندو حدَّ أنَّهما رفضا وضع يديهما في يده حتَّى لو لمجرّد المصافحة.

سألت «اللجنة» ميللر قائلةً: «هل قمت عندئذٍ في 1953 بانتقاد السيِّد كازان بوصفه مثقَّفاً مرتدّاً؟».

ميللر: «لا».

اللجنة: «بوصفه مخبراً؟».

ميللر: «لا».

اللجنة: «هل احتججت على موقف كازان عندما شهد أمام هذه اللجنة وقال، ما معناه، إنَّه كان شيوعيّاً، وحدَّد أناساً على أنَّهم شيوعيُّون؟».

ميللر: «لم أدلِ أبداً بتصريح عن شهادة إيليَّا كازان في حياتي».

اللجنة: «هل قمت، في أيّ وقت، ومع أيّ شخص، بنقد كازان بسبب شهادته أمام اللجنة والتي حدَّد الناس فيها على أنَّهم شيوعيُّون؟».

ميللر: «لم أعرف ماذا كانت شهادته بالضبط، لكنَّني تناقشت بشأنه مع واحد أو اثنين في حياتي».


جريمة مخاصمة الواشي..

اللجنة: «بعد أن كان كازان منتجاً لأعمالك، وبعد أن عمل معك في مسرحيَّاتك، ثمَّ جاء إلى واشنطن وشهد أمام لجنة الكونغرس، "نعم كنتُ شيوعيّاً. نعم، أشهد بأنَّ فلان الفلاني وبأنَّ فلان الفلاني كانوا معي في المؤامرة"، هل انتقدته لهذا الموقف؟ هل تخاصمت معه؟».

ميللر: «الحقيقة هي أنَّني "تخاصمت" معه، رغم أنَّ هذه الكلمة لا تصف ما فعلته».

اللجنة: «إذاً نستخدم كلمة "انفصلت" عنه».

ميللر: «لست واثقاً على الإطلاق مِنْ أنَّ السيِّد كازان كان سيُخرج مسرحيَّتي التالية على أيَّة حال. ولست من النوع الذي يخرج إلى الشارع ويعلن شؤونه الخاصَّة، وقد لا يعلم الجمهور أو أيٌّ كان مَنْ يهمُّه الأمر، أنَّه ربَّما تدخَّلتْ في هذا الموقف عناصر أخرى ليس لها أهميَّة سياسيَّة مطلقاً، وأجرؤ على القول إنَّها لا تهمّ هذه اللجنة. والحقيقة أنَّه لم يعد يُخرِج أيّاً مِنْ مسرحيَّاتي. وربَّما فعل في المستقبل. وقد قلت في النيويورك بوست، على ما أعتقد. وإنَّني لأتردَّد في تحمُّل وطأة هذا النوع من التشخيص، وإذا جاز القول، ليس لأسباب سياسيَّة في الواقع، بل لأنَّ هناك أسباباً خاصَّة لا أعتقد أنَّها تهمُّكم».

أردتُ مِنْ تثبيت هذا الاقتباس الطويل أن أضع القارئ في صورة الأسلوب الذي كانت «اللجنة» تتعامل به مع «الشهود»، وإلى أيَّ حدّ كانت تتدخَّل في حياة الناس وعلاقاتهم الشخصيَّة، وإلى أيّ حدّ أيضاً كان كاتب كبير ومشهور مثل ميللر، يضطرّ للتهرُّب مِنْ قول الحقيقة عن سبب مقاطعته لزميله ورفيقه السابق إيليَّا كازان.


سيّد ميللر.. هل تعتبر نفسك أحمقاً؟!

في موقع آخر يعترف ميللر بأنَّه كان يشارك في اجتماعات حلقة للكتَّاب الشيوعيّين، لكنَّه يرفض أن يدلي بأسماء مَنْ كانوا يشاركون في اجتماعات تلك الحلقة. ويقول مخاطباً رئيس اللجنة: «سيِّدي الرئيس، إنَّني أفهم الفلسفة الكامنة خلف هذا السؤال (السؤال عن أسماء المشاركين في الحلقة) وأودّ أن تفهموا فلسفتي. وعندما أقول ذلك، أريد أن تفهموا أنَّني لا أحمي الشيوعيّين أو الحزب الشيوعيّ. إنَّني أحاول، وسوف أحاول، أن أحمي إحساسي بنفسي. لا أستطيع استخدام اسم شخص آخر وأجلب له المتاعب. فهؤلاء كانوا كتَّاباً، وشعراء، على قدر ما أرى، وحياة الكاتب، رغم ما يبدو أحياناً، شاقَّة بالفعل ولا أودّ أن أجعلها أكثر مشقَّة لأيّ إنسان وأطلب منكم ألاّ تسألوني هذا السؤال».

وفي هذه المرحلة، تضغط عليه «اللجنة» وتلحّ لكي يقدِّم لها أسماء مَنْ كانوا يشاركون معه في اجتماعات لجنة الكتَّاب الشيوعيّين، ويهدِّدونه بأنَّ امتناعه عن الإجابة يمكن أن يُعتبر إهانة لـ«اللجنة».. مع ما يترتّب على ذلك مِنْ عقوبات صارمة، ولكنَّه يصرّ على عدم الإدلاء بالأسماء. وبالمقابل يشنّ هجوماً على الشيوعيَّة والشيوعيّين، يتوافق مع الخطوط الأساسيَّة للخطاب الرسميّ السائد الذي تعبِّر عنه «اللجنة».

إنَّه يتنازل فكريّاً؛ لكنّه يرفض أنْ يكون واشياً. وهذا ما قام به أيضاً بطل مسرحيّته «المحنة» أو الفيلم الذي أُنتِج عنها باسم «البوتقة»؛ إذ وافق في النهاية، مِنْ أجل إنقاذ حياة زوجته وحياته وحيوات أشخاص آخرين، على التوقيع على نصٍّ أعدّته المحكمة يتضمَّن اعترافاً منه بأنَّه كان عوناً للشيطان؛ لكنَّه سرعان ما أدرك أنَّ الأمر سيصل إلى حدِّ تلطيخ اسمه وتشويه سمعته، فتراجع عنه، فشُنِقَ بسبب ذلك.

ومن الواضح أنَّ اللجنة عاملت ميللر بطريقة مختلفة نوعاً ما عن معاملتها لزملاء آخرين له تمَّ استدعاؤهم للشهادة أمامها في وقت سابق، فنكَّلتْ بهم شرَّ تنكيل، ومنهم المثقَّفان الشجاعان: جرهارت آيزلر وشقيقه هانز أيزلر. إذ رغم ضغطها عليه من أجل الإدلاء بالأسماء، وتهديدها له بأنَّها ستعتبر عدم استجابته لطلبها إهانة لها، إلا أنَّها، أمام إصراره على الرفض، لم توصل التهديد بإيقاع عقوبات باهظة عليه إلى مرحلة التنفيذ، كما كانت قد فعلت مع آخرين. حيث أُكتُفيَ بأن [حُكِمَ عليه بالسجن لمدّة عام مع وقف التنفيذ، وغرامة خمسمائة دولار، وطُلِبَ منه أن «يكتب بطريقة أقل مأساوية» عن أميركا][28].

ويبدو أنَّهم كانوا قد اكتفوا بتخلّيه عن موقفه السياسيّ السابق. كما أنَّ مرحلة ازدهار سطوة «اللجنة» كانت قد شارفت على الانتهاء آنذاك.

وفي نهاية جلسة التحقيق، يسأله أحد أعضاء «اللجنة» سؤالاً فظّاً ومهيناً، قائلاً له: «هل تعتبر نفسك أحمقاً بدرجة أو أخرى في انضمامك إلى المنظَّمات الشيوعيَّة؟».

إنَّه أسوأ أنواع التنمُّر؛ لأنَّه لا يستند إلى القوّة الشخصيّة للمتنمِّر، بل إلى قوّة السلطة الموضوعة بين يديه وهو شخصٌ جاهل وجبان ومحدود التفكير يعاني مِنْ عُقدة النقص.. فيعوِّض عن ذلك بالتطاول على إنسانٍ يعرف أنَّه أذكى منه بكثير وأهمّ منه بكثير وأهمِّيَّته مستمدَّة مِنْ ذاته وليس مِنْ خارجها.

ردّ ميللر على هذا الأحمق، قائلاً: «لست أقول ذلك، لأنَّني كنت شخصاً بالغاً، ولم أكن طفلاً. كنت أبحث عن عالم كامل وأعتقد أنَّه كان من الضروريّ أن أفعل ذلك إذا شئتُ أن أطوِّر نفسي ككاتب. لستُ أخجل بذلك فأنا أقبل حياتي. هذا ما فعلته. لقد تعلَّمت الكثير».

وعندئذٍ، يتدخَّل رئيس «اللجنة» ليختتم التحقيق بموعظةٍ أخيرة لا تقلّ حُمقاً عن حُمقِ الكلام السابق لزميله، فيقول: «لقد تعلَّمتَ (يقصد ميللر) الكثير وأسهمتَ إسهاماً أعظم ممَّا تتصوَّر في ما نعتقد أنَّك تدافع عنه الآن، لأنَّك، بالأخطاء التي ارتكبتها، قدَّمت نغمة تحذير قويَّة جدّاً للكثير من الآخرين الذين قد يقعون في ما وقعتَ فيه».


لا أستطيع، وأنا أقرأ هذا الكلام، إلّا أنْ أتذكَّر «الأخ الأكبر» في «مزرعة الحيوان».. لجورج أورويل.


مرافعة ميللر الحقيقيّة..

مرافعة ميللر الحقيقيّة والأقوى والأبقى لم تكن أمام «اللجنة»؛ بل على المسرح وعلى شاشة السينما، وذلك بوساطة مسرحيّته «المحنة» (1953) التي حُوِّلَت إلى فيلم أُنتِجَ في العام 1996 بمسمَّى «البوتقة». هنا، استطاع ميللر أنْ يقول كلَّ ما أراد قوله ولم يستطع قوله أمام لجنة المكارثيّة مباشرة. ولقد قاله بأقسى المعاني والعبارات وأبلغ المفردات مِنْ دون أنْ يُعطي «اللجنة» أيَّ فرصة لمحاسبته على ذلك.

وأثناء إعدادي لهذا المقال، شاهدتُ فيلم «البوتقة» وهو مهمّ ومتوفِّر على الانترنت، يقوم فيه الممثِّل المبدع دانييل دي لويس بدور جون بروكتور، والممثِّلة وينونا رايدر بدور أبيجيل وليامز. ويتحدَّث عن جماعة بروتستنتيّة بيوريتانيّة.. في محاكاة غير مباشرة للمكارثيّة.

يستند الفيلم إلى قصّة حقيقيّة وقعت في قرية سالم في الولايات المتّحدة في العام 1692؛ فذات يوم، اكتشفت تلك الجماعة البيورتانيّة (التكفيريّة بلغة هذه الأيّام) أنَّ عدداً كبيراً مِنْ فتيات قريتها المراهقات كُنَّ يذهبن إلى الغابة ليلاً ليرقصن هناك (وكان هذا أحد الأمور العديدة المحرّمة جدّاً عندهم).

يرى وجهاء القرية ورجال الدِّين فيها أنَّ الشيطان قد أغوى مراهقات قريتهم. وبعدئذٍ، تنفتح أبواب جهنَّم هناك، وتبدأ استجواباتٌ مرعبة وغير معقولة عن علاقة كلّ واحدة من الفتيات اللواتي «اقترفن» إثم الرقص بالشيطان. وتحت الضغوط الشديدة التي تُمارَس عليهنّ، تعترف كلّ واحدة منهنّ بأنَّ الشيطان أغواها لاقتراف ما «اقترفت» وبأنَّه ثمَّة غيرها مَنْ تتعاون معه عن طيب خاطر، مدعِّمةً كلامها بوقائع كاذبة تنسجم مع معتقدات اللجنة واتِّهاماتها الغبيّة الجاهزة.

تتفاقم المشكلة جدّاً، فترسل الحكومة قاضياً شديد القسوة متعصِّباً متعجرفاً ضيِّق الأفق؛ليشرف على التحقيقات وإصدار الأحكام بناء عليها وتنفيذها. وتسود هستيريا من الاتّهامات والعداوات في القرية تتجاوز الفتيات الصغيرات إلى الكبار. حيث يصبح هذا المناخ المريض وسيلةً لتصفية الحسابات بينهم، بل إنَّ بعضهم يلفِّق تهمة العلاقة بالشيطان لجاره.. لا لشيء سوى طمعه في أرض هذا الجار أو لأنَّه لا يُحبّه. ويُبطَش بكثيرين، ويُعدَمُ تسعة عشر رجلاً وامرأةً مِنْ سكّان القرية بهذه التهمة العجيبة (العلاقة مع الشيطان).


إنَّه اسمي وليس لي غيره..

أحد وجوه القريّة (جون بروكتور)، وهو شخص محترم ونزيه وصاحب قيم نبيلة وراقية، يرفض هذه الحملة الفاشيّة الهستيريّة، ويقف ضدّها بجرأة وشجاعة؛ لذلك، يُستَدعى في النهاية للتحقيق معه، ويُتَّهم بأنَّه على صلة بالشيطان، ويُطلَب منه أنْ يُقِرَّ بالتّهمة العجيبة المنسوبة إليه وأنْ يشهد ضدّ آخرين ويشي بهم؛ لكنّه يرفض ذلك؛ فيُحكَم عليه بالإعدام.

وهنا أريد أنْ أتوقَّف عند بعض الحوارات ذات الدلالة العميقة الّتي جرت بين بروكتور وبين «اللجنة»..

يسأله أحد أعضاء «اللجنة» عن سبب عدم موافقته على الوشاية بالآخرين مقابل احتفاظه بحياته، فيجيب قائلاً:

«كيف أُعلِّم أبنائي أنْ يعيشوا كالرجال في العالم لو كنتُ وشيتُ بأصدقائي؟».

وعندما يعرضون عليه الإقرار بالتّهم التي وجّهوها إليه، مقابل إلغاء حكم الإعدام الصادر ضدّه وضدّ زوجته وإطلاق سراحهما معاً. يردّ قائلاً:

«لكن اسمي، أنا لا أستطيع التوقيع».

يقول له القاضي: «لماذا؟».

يقول: «لأنَّه اسمي.. لأنَّني لن يكون لي اسم آخر في حياتي».

ينتهي الفيلم بالكلمات التالية:

«بعد 19 إعداماً، توقَّف صيد ساحرات "سالم" بسبب زيادة عدد المدانين الذين رفضوا أن ينقذوا أنفسهم بأن يقولوا اعترافات كاذبة».

وكما تقول أغنية فيروز: «ما في حبوس بتساع كلّ الناس».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ترجم هذا الحوار إلى العربيّة، نقلاً عن جريدة الباييس الإسبانية، د. محسن الرمليّ، ونُشِرَ في موقع «النبأ» - مــدريــد، بعنوان «حــوار مع عملاق المسرح الأميركيّ الحديث آرثر ميللر».
[2] يوسف إدريس – مِنْ كتابٍ له بعنوان «عن عمد.. اسمع تسمع». وبالتحديد، مِنْ موضوعٍ في الكتاب بعنوان «حوار مع زوج مارلين مونرو».
[3] محمد عبد الرحمن – مقال له بعنوان «في ذكرى رحيله.. هل أفادت مارلين مونرو آرثر ميللر وكانت سبب شهرته؟»، نُشِرَ في «اليوم السابع» في تاريخ 10 شباط/فبراير 2019.
[4] في ما بعد أفشى إيليا كازان أسماء أصدقائه اليساريين أمام لجنة المكارثيّة، فتسبَّب لهم بأذىً كبير. وبعض تفاصيل ذلك موجودة في موضوعنا السابق المنشور في هذه المدوّنة بعنوان «المكارثيّة.. عندما تردَّى رجال وشمخ آخرون».
[5] [أسروا قلب «أشهر الشقراوات» جنـدي و«بطل» وكاتب وممثل.. مارلين مونرو.. عــشّاق ووحدة] – موقع «الإمارات اليوم»، تاريخ النشر: 27 سبتمبر 2012.
[6] المرجع السابق.
[7] المرجع السابق.
[8] غادة قدري – مقال لها بعنوان «صور تأثير آرثر ميللر على مارلين مونرو» – منشور في موقع «مبتدأ قبل الخبر» – في تاريخ 7 – 8 – 2015.
[9] المرجع السابق.
[10] المرجع السابق.
[11] المرجع السابق.
[12] أحمد إبراهيم الشريف - «10 صور في حياة آرثر ميللر ومارلين مونرو» - موقع «اليوم السابع» - يوم الأحد 11 شباط/فبراير 2018.
[13] غادة قدري – مقال لها بعنوان «صور تأثير آرثر ميللر على مارلين مونرو» – منشور في موقع «مبتدأ قبل الخبر» – في تاريخ 7 – 8 – 2015.
[14] المرجع السابق.
[15] المرجع السابق.
[16] إسلام محمد – مقال له بعنوان «إن لم تكن معي فأنت ضدّي.. هكذا كان عصر الرعب في أميركا "المؤمنة"»، نُشِرَ في موقع «ساسة بوست» في تاريخ 27 أيّار/مايو 2017.
[17] المرجع السابق.
[18] المرجع السابق.
[19] المرجع السابق.
[20] المرجع السابق.
[21] «المكارثيّة والمثقَّفون.. تحقيقات لجنة الكونغرس للنشاط غير الأميركيّ» - إعداد أريك بنتلي – ترجمة أحمد حسَّان – الطبعة الأولى، في تاريخ 1 – 3 – 1980 – دار ابن خلدون، بيروت.
[22] المرجع السابق.
[23] إيهاب ضاهر، مقال له بعنوان «آرثر ميللر.. عملاق المسرح الأمريكي المعاصر» - موقع «البوّابة نيوز» - الأحد 9 شباط/فبراير/2014.
[24] «المكارثيّة والمثقَّفون.. تحقيقات لجنة الكونغرس للنشاط غير الأميركيّ» - إعداد أريك بنتلي – ترجمة أحمد حسَّان – الطبعة الأولى، في تاريخ 1 – 3 – 1980 – دار ابن خلدون، بيروت.
[25] المرجع السابق.
[26] ماهر شفيق فريد، مقال له بعنوان «آرثر ميللر.. كاتب مقال.. جانب غير معروف من إبداع الكاتب المسرحيّ الشهير»، نُشِرَ في جريدة «الشرق الأوسط»، يوم الثلاثاء - 26 تمّوز/يوليو 2016.
[27] هذا وكلّ ما يختصّ بوقائع التحقيق، التي سُرِدَتْ بعده، مرجعه كتاب: «المكارثيّة والمثقَّفون.. تحقيقات لجنة الكونغرس للنشاط غير الأميركيّ» - إعداد أريك بنتلي – ترجمة أحمد حسَّان – الطبعة الأولى، في تاريخ 1 – 3 – 1980 – دار ابن خلدون، بيروت.
[28] ماهر شفيق فريد، مقال له بعنوان «آرثر ميللر.. كاتب مقال.. جانب غير معروف من إبداع الكاتب المسرحيّ الشهير»، نُشِرَ في جريدة «الشرق الأوسط»، يوم الثلاثاء - 26 تمّوز/يوليو 2016.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال