جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

سعود قبيلات ▣

بيت يونغ متعدِّد الطوابق*
(فرويد ويونغ في رحلة صيد في الصحراء الإفريقيّة في العام 1909)
ثمَّة أبرشيَّة تقف منفردةً بالقرب مِنْ قلعة لاوفن في سويسرا، يحيط بها مرجٌ واسع. كنتُ أسير في المرج، أنا وكارل غوستاف يونغ، عندما اكتشفنا، فجأة، حفرةً داكنةً مستطيلة الشكل. قال يونغ، مندهشاً: رغم أنَّني أسير هنا باستمرار، إلا أنَّه لم يسبق لي أن رأيت هذه الحفرة.

نظرنا إلى داخلها بفضول؛ فرأينا درجاً حجريّاً يهبط مِنْ حافَّتها العليا إلى قاعها. اقترح يونغ أن نستطلع معالم تلك الحفرة الغريبة؛ ودلَّى نفسه في فتحتها، واضعاً قدميه على أوّل درجاتها، ثمَّ شرع يهبط بحذر، وما إن أصبح رأسه أسفل فوهة الحفرة، حتَّى دلَّيت نفسي، وشرعتُ بالهبوط في إثره.

عندما صرنا في القاع، وجدناه واسعاً، ورأينا هناك باباً كبيراً يعلوه قوسٌ دائريّ وتغطِّيه ستارة خضراء كبيرة وسميكة تشبه قماش البروكار. وكانت رائعة الجمال. وشعرنا بالفضول لمعرفة ما قد يكون مخفيّاً وراءها، فدفعها يونغ جانباً، وعندئذٍ رأينا أمامنا غرفة مستطيلة يبلغ طولها حوالي الثلاثين قدماً. كان سقفها مقوَّساً ومِنْ حجر منقوش، أمَّا أرضيَّتها فكانت مرصوفة بألواحٍ من الحجارة الملساء. وفي وسط الغرفة كانت ثمَّة سجَّادة حمراء تبدأ من المدخل وتمتد حتَّى تنتهي بنوعٍ من المنصَّة قائمة في الجهة المقابلة. وعلى المنصَّة كان يتربَّع عرشٌ ذهبيّ رائع يشبه العروش التي تتحدَّث عنها الروايات والقصص الخياليَّة. وكانت ثمَّة وسادة حمراء على مقعد العرش. بينما كان يقف على المقعد شيءٌ ما تصوَّرناه في البداية جذع شجرة ضخمة؛ ارتفاعه ما بين اثني عشر إلى خمسة عشر قدماً، وسُمكه قدمٌ ونصف أو قدمان. كان شيئاً ضخماً يصل إلى سقف الغرفة تقريباً. لكن تكوينه كان غريباً؛ إذ بدا أنّه من الجلد واللحم العاري، وفي أعلى رأسه المستدير كانت ثمَّة عينٌ واحدة تحدِّق إلى الأعلى بجمود.

كانت الغرفة شبه مضاءة؛ بالرغم مِنْ عدم وجود نوافذ ولا أيّ مصدر للضوء. وكانت فوق رأس الشيء هالة مِنْ النور. وشعرنا بأنَّه قد يهبط عن عرشه بين لحظة وأخرى، ويزحف نحونا. فَشَلَّنا الرعب. ولكن في تلك اللحظة ذاتها، سمعنا صوت أمّ يونغ من الخارج وهي تناديه قائلة: نعم أُنْظُرْ إليه؛ إنَّه آكل لحوم البشر!

تسبَّب ذلك في زيادة رعبنا؛ فخرجنا من الحفرة مسرعين. ورحنا نبتعد عن المرج. ولا أعرف لماذا راح يونغ يسير بنا باتِّجاه الأبرشيَّة بدلاً من القلعة! وعندما أصبحنا بالقرب من الأبرشيَّة، جلس على العشب، فجلستُ أنا أيضاً. ورحنا نلتقط أنفاسنا، وشيئاً فشيئاً هدأتْ نفسانا، ثمَّ رحنا ننظر إلى البعيد، ونحن صامتين، إلى أنْ قال يونغ فجأة: حياتي هي قصَّة معرفتي الذاتيَّة باللاوعي.

ولم أشأ أن أسأله عمَّا دعاه إلى قول هذا الكلام في تلك اللحظة بالذات؛ فقد قلتُ لنفسي بأنَّني حيال عالمِ نفسٍ كبيرٍ ومميَّز، ويجب أن أُنصت إلى كلّ ما يقوله مِنْ دون أن أقطع تسلسل أفكاره الداخليّ بطرح بعض الأسئلة التي قد تكون بلهاء.

وقال يونغ: إنَّ ما نحن عليه بعيون بصائرنا، وما يبدو لنا كأنَّه الإنسان المنحدر مِنْ سلالة الخالدين، لا يمكن التعبير عنه إلا بصيغة الأسطورة. فالأسطورة أكثر فرديَّة وتعبِّر عن الحياة بدقَّة أكبر ممَّا يفعله العلم؛ ذلك أنَّ العلم يتعامل بطريقة مفاهيم المعدَّلات الإحصائيَّة، وهو ما يجعله على درجةٍ كبيرةٍ من التعميم، ولا يُفسح المجالَ لإضفاءِ التنوُّع الفرديّ الدال على حياة إنسانٍ معيَّن.

ثمّ مسح بيده على العشب، وهو يواصل النظر إلى البعيد، وقال: نحن عمليَّة نفسيَّة لا تخضع لسيطرتنا، ولا حتَّى لتوجُّهاتنا، بشكل جزئي. وبالتالي، لا نملك حكماً على أنفسنا أو حيواتنا. ولو كانت لنا مثل هذه السيطرة لاستطعنا معرفة كلّ شيء. ولكن كلّ ما نستطيع التوصّل إليه هو التظاهر بالمعرفة، لا غير. ولقد عرفتُ، منذ وقتٍ مبكِّر، أنَّه حين تعجز عن العثور على إجابة شافية من داخل المعضلة نفسها، فلن تكون لهذه الإجابة أهميَّة تذكر.

ورأيت سيجموند فرويد، بلحيته الرماديَّة الكثّة، يقف خلف يونغ فينحني عليه ويضع يده على كتفه ويقول له بانفعال عظيم وبنبرة أب: عزيزي يونغ؛ عاهدني على عدم التخلِّي عن نظريَّة الجنس أبداً. فذلك أمرٌ بالغ الأهميَّة. أترى، يجب أن نجعل منها عقيدةً وحصناً لا يُهدم.

بدا ذلك شبيهاً بقولِ أبٍ لابنه: عاهدني على أمرٍ واحدٍ يا ابني العزيز؛ أن تواظب على الصلاة بانتظام.

سأله يونغ وملامح الدهشة تلوح على وجهه: حصن! ضدَّ ماذا؟!

أجاب فرويد بتهوُّر: ضدَّ الموت الأسود للطين.

ثمَّ تردَّد قليلاً وقال: ضدَّ الإيمان بالقوى الخفيَّة.

مال يونغ عليَّ وهمس بأذني قائلاً إنَّ كلمات فرويد «حصن» و«عقيدة» جعلته يتحفَّز؛ لأنَّ العقيدة، برأيه، تعني الاعتراف بالإيمان المطلق، ولا تُستخدم إلا حين يكون الهدف منها قمع جميع الشكوك، مرَّةً واحدة وإلى الأبد. وذلك، كما قال، لا علاقة له بالاجتهاد العلميّ، بل يقتصر على قوَّة الدافع الشخصيّ.

كان فرويد، آنذاك، قد شرع يخطو على العشب بقربنا، جيئةً وذهاباً. وتابع يونغ كلامه لي، بصوتٍ أعلى قليلاً، فقال: التقديس خطير لأنَّه يغري المرء بالتطرُّف، حتَّى تصبح الحقيقة المتواضعة بمرتبة الحقيقة المطلقة. والخطأ البسيط يعادل الخطيئة القاتلة، في حين أنَّ كلّ شيءٍ عابر؛ ما كان حقيقيّاً بالأمس، يصير ضلالاً اليوم، والاستنتاج الخاطئ للأمس قد يصبح فتحاً غداً.

قلت له: هل حاولت أن تقول هذا الكلام لفرويد؟

وبدا محبطاً ويائساً وحزيناً، عندئذٍ، وقال: لا يمكن القيام بأيِّ فعلٍ تجاه النظرة أحاديَّة الجانب لدى فرويد. ولربَّما يمكن لتجربة داخليَّة يمرّ بها أن تفتح عينيه عليها. ولكن فكره يدفعه لأنْ ينظر إلى هذه التجربة بصفتها «نفسجنسيَّة»، وبهذا يظلّ ضحيَّة الجانب الوحيد الذي استطاع معرفته. ولهذا السبب أيضاً أرى فيه شخصيَّة مأساويَّة، لأنَّه رجل عظيم، لكنَّه واقع في قبضة شبه الإله الخاصّ به.

بعد ذلك، انضمّ فرويد إلينا، ثمَّ دخلنا بيتاً مِنْ طابقين. وقال يونغ: هذا بيتي.

ووجدنا أنفسنا في الطابق العلويّ من البيت؛ حيث توجد صالة مؤثَّثة بقطع أثاث قديمة مِنْ طراز الركولو. وعلى الجدران كانت ثمَّة لوحات قديمة وثمينة. وعندئذٍ استدرك يونغ قائلاً: أستغربُ أن يكون هذا بيتي.

وبدا لي كلامه غريباً. ولكنَّه قال هامساً؛ كما لو أنَّه يكلِّم نفسه: لا بأس به.

وفهمت أنَّه يعني البيت. وما لبث أن قال، موجِّهاً كلامه لي ولفرويد معاً: أتعرفان؟ خطر في ذهني الآن أنَّني قد لا أعرف الطابق الأرضيّ أيضاً.

وقبل أن يكمل كلامه كان قد شرع بنزول الدرج مسرعاً، فنزلنا في إثره إلى الطابق الأرضيّ. هناك كان كلّ شيء أكثر قِدَماً. وأدركنا أنَّ هذا الجزء من البيت يعود إلى القرن الخامس عشر أو السادس عشر. أثاثه من القرون الوسطى، وأرضيَّته مِن الطابوق الأحمر. وكان المكان معتماً. تجوَّلنا فيه مِنْ غرفة إلى أخرى. وقال يونغ مفكِّراً: يجب أن أستكشف البيت كلَّه.

ووصلنا إلى باب سميك، فتحه يونغ، وعندئذٍ رأينا وراءه درجاً حجريّاً يؤدِّي إلى سرداب. هبطنا مجدَّداً، فوجدنا أنفسنا في غرفة جميلة محكمة، بدت شديدة القدم. تفحَّصنا الجدران فاكتشفنا طبقاتٍ من الطابوق بين الحجر العادي، وكِسَراً من الطابوق على الأرض. وأدركنا عندئذٍ أنَّ الجدران تعود إلى العصور الرومانيَّة. هنا ازداد فضولنا؛ فرحنا نتمعَّن بالأرضيَّة؛ كانت مكوَّنة مِنْ قطع حجريَّة مرصوفة، في إحداها اكتشفنا حلقة معدنيَّة صدئة، رفعها يونغ، فارتفع الحجر معها، وعندئذٍ رأينا مرَّةً أخرى درجاً حجريّاً ضيِّقاً يؤدِّي إلى أعماقٍ أبعد. فهبطنا ودخلنا كهفاً واطئاً منحوتاً في الصخر. كانت أرضيَّته مغطَّاة بغبارٍ كثيف تنتشر عليه عظامٌ وكراتٌ خزفيَّة كبقايا حضارة بدائيَّة. اكتشفنا بينها جمجمتين بشريَّتين من الواضح أنَّهما قديمتان جدّاً ومتحلِّلتان.

مِنْ كلِّ ما مررنا به ورأيناه في ذلك البيت، كانت الجمجمتان هما الأمر الأساسيّ الذي أثار انتباه فرويد وأبدى اهتماماً زائداً به؛ إذ راح يسأل يونغ بانفعالٍ واضح وإلحاحٍ غريب: لمَنْ هاتان الجمجمتان؟ لمَنْ هاتان الجمجمتان؟ لمَنْ هاتان الجمجمتان؟ لمَنْ هاتان الجمجمتان؟

مال يونغ على أذني وقال هامساً: إنَّه يخشى أن أقول إنَّ إحداهما له.

ثمَّ راح يجيب، على سؤال فرويد الملحاح، بطريقة مراوغة؛ إذ قال له: إنَّهما لزوجتي وشقيقها.

ورغم أنّ المراوغة كانت واضحة في إجابة يونغ إلا أنَّها أراحتْ فرويد كما بدا لي، في حين كان يونغ في تلك اللحظة يغالب ضحكةً خبيثة كانت تحاول أن تفلت مِنْ جوفه. أصابني ذلك بنوعٍ من الحرج؛ إذ خشيت أن ينتبه فرويد إلى ضحكة يونغ المكبوتة؛ فغيَّرتُ مجرى الحديث، ورحتُ أحدِّثهما عن حفرةٍ غريبة في سفح هضبةٍ صغيرة في مليح.. قريتي، اكتشفتها منذ طفولتي المبكِّرة. ومِنْ حينٍ لحين كنتُ أنزل فيها فأكتشف طبقاتٍ من العوالم الغريبة والجميلة. وقلتُ لهما إنَّني، مع الأسف، لستُ بمثل براعتهما بحيث أجدها متى شئت. بل إنَّها هي التي تجدني متى شاءت. ولو كنتُ مسيطراً على هذا الأمر، مثلهما، لأخذتهما إليها في الحال.

وجاء شكري عيَّاد وأخذنا إلى حفرة في الجزيرة العربيَّة، قال إنَّه اكتشفها عندما كان يعمل هناك وأسماها «كهف الأخيار». وهبطنا فيها عميقاً إلى أن وجدنا ساحةً فسيحةً فيها نباتاتُ ظِلٍّ مثل تلك التي نجدها أحياناً تحت الحجارة أو في بعض المواقع المحجوبة تماماً عن الشمس. ورأينا شيخاً وفتاة جلدهما شفَّافٌ إلى حدّ أنَّ شرايينهما تظهر واضحة مِنْ تحته. وقال عيَّاد: إنَّهما هنا منذ عادٍ وثمود.

وكان الشيخ والفتاة يتحدَّثان بلغة لم نفهمها. وعندما خرجنا قال عيَّاد ليونغ: إنَّك أنت مَنْ دلَّني على هذا المكان.

وكانت الدموع تترقرق في عينيه وهو يقول هذا الكلام، لشعوره العظيم بالامتنان.

ثمَّ جاء مؤنسُ الرزَّاز وأخَذَنَا إلى متاهةٍ غريبةٍ أسماها «متاهة الأعراب في ناطحات السراب»؛ فرأينا هناك العجب العجاب. وقال مؤنس ليونغ: إنَّك أنت مَنْ قادني في هذه المتاهة.

وكانت الدموع تترقرق في عينيه أيضاً، لشعوره العظيم بالامتنان.

ثمَّ دخلنا غابةً تخترقها المسارات المائيَّة، ورأينا في أظلم مكانٍ فيها بركةً دائريَّةً محاطةً بنباتاتٍ شعريَّةٍ دقيقة كثيفة. وفي وسط الماء، رأينا مخلوقاً نصفه مغمور بالماء. وكان دائريّ الشكل، تومض ألوانه وتتلألأ، وجسمه عبارة عن خلايا صغيرة لا تُعد، أو مِنْ أعضاء تشبه المجسَّات. لقد كان حيواناً بحريّاً مشعَّ الأطراف وكبيراً يصل طوله إلى ثلاثة أقدام. وبدا لنا فائق الروعة وهو ممدَّد مِنْ دون أن يزعجه شيء في ذلك المكان المنزوي في الماء الصافي العميق.

قلتُ: إنَّه يثير في النفس رغبةً عارمة في المعرفة.

وقال يونغ: إنَّ هذا الحيوان مِنْ أغرب وأروع ما يمكن أنْ يخطر في بال.

بيد أنَّ فرويد لم يكن مرتاحاً، كما بدا لي، لكلّ ما جرى معنا، منذ تجوالنا في بيت يونغ ذي الطوابق المتعدِّدة وحتَّى هذه الرحلة الأخيرة. ولقد أصابه الإغماء أكثر مِنْ مرَّة. وقال يونغ يفسِّر حالة فرويد: إنِّها نوباتٌ عُصابيَّة.

ثمَّ طلب مِنْ فرويد بعض التفاصيل عن حياته الخاصَّة، لكي يساعده على التخلُّص مِنْ عُصابه، إلا أنَّ فرويد امتعض وقال معترضاً: لكنَّني لن أخاطر بسلطتي.

قال ذلك وراح يبتعد.

وأدار يونغ وجهه إلينا وقال بوضوح: في الواقع إنَّه قد خسر سلطته كلّها في هذه اللحظة.

ثمَّ قال بلهجة مأساويَّة؛ كما لو أنَّه كان يؤبِّن معلِّمه القديم: ربَّما كان أعظم ما أنجزه فرويد هو أنَّه أخذ مرضاه العصابيّين مأخذ الجد، ودخل في نفسيَّتهم الغريبة والخاصَّة. كان يمتلك الشجاعة ليترك الحالة تتحدَّث بنفسها، وبهذه الطريقة استطاع اختراق النفس الحقيقيَّة لمرضاه. يمكن القول أنَّه كان يرى بعينيْ مريضه، وبهذا استطاع الوصول إلى أعماقٍ أبعد في فهم المرض النفسيّ ممَّا كان ممكناً في السابق. في هذا المجال كان خالياً من التعصُّب وشجاعاً، ونجح في التغلُّب على الكثير من التحيُّز. كان أشبه بأنبياء العهد القديم في رفض الآلهة المزيَّفة والثورة عليها، وفي تمزيق الأقنعة والأكاذيب والتعصُّب، وفضَحَ بلا هوادة عفونة النفس البشريَّة. ولقد نبعت القوَّة المحفِّزة التي منحها لحضارتنا من اكتشافه الطريق الموصل إلى اللاوعي مِنْ خلال تقييم الأحلام بصفتها المصدر الأهمّ للمعلومات الخاصَّة بعمل اللاوعي، وأعاد للإنسانيَّة الأداة التي فقدتها وفقدت الأمل باستعادتها. وأثبت بالتجربة حضور النفس اللاواعية التي ظلَّت حتَّى ذلك الحين فرضيَّة فلسفيَّة لا غير؛ خصوصاً في فلسفات كاروس وإدوارد فوف هارتمان.

بعد ذلك، جلسنا على شرفةِ نُزُلٍ صغير في مدينة توزر في الصحراء التونسيَّة، وهي واحة تقع على مرتفعٍ طفيف على حافَّة السهل، وعند أقدامها توجد ينابيع فاترة مالحة قليلاً ووافرة المياه تسقي الواحة عبر آلاف الأقنية الصغيرة. ويشكِّل النخيل سقفاً أخضر تستظلّ به وتزدهر أشجار الخوخ والمشمش والتين. تحت تلك الأشجار نبتت الحلفاء باخضرارٍ لا يُصدَّق بينما لمع العديد مِنْ طيور الرفراف مثل الجواهر مخترقاً الخضرة. وبهدوء وفي برودة هذا الفيء، كان أناسٌ بملابس بيضاء فضفاضة يتمشّون، وكان بينهم عددٌ كبير من الشباب يسيرون أزواجاً متماسكي الأيدي بتعاطف.

قال يونغ وهو مفتونٌ بالمشهد: أحسُّ فجأة كما لو أنَّني انتقلتُ إلى بلاد الإغريق القديمة حيث يشكِّل هذا التعاطفُ الاسمنتَ اللاصقَ لمجتمع الرجال والمدنيَّة التي بنيت على أساس ذلك المجتمع.

وكنتُ أتابعُ المشهدَ معه، محاولاً أن أراه بطريقته.. لأفهم افتتانه به؛ فهو بالنسبة لي مشهد عاديّ ولطالما رأيته في قريتي وأنا طفل أو وأنا فتىً يافع. ولكن بينما أنا مستغرقٌ في هذه المحاولة التثاقفيَّة الصعبة، فطنتُ فجأة إلى أنَّه انتقل إلى الحديث باستمتاع عن اللاوعي الجمعيّ؛ اكتشافه الذي يعتزّ به والذي يُعتبر أحد تطويراته المهمَّة لمدرسة التحليل النفسيّ التي أرسى دعائمها فرويد.

قال يونغ: مع أنَّنا – نحن البشر – نمتلك حيواتنا الخاصَّة، إلا أنَّنا ممثِّلون ودعاة للروح الجمعيَّة التي تُحتَسب سنواتها بالقرون. قد نتصوَّر أنَّنا لا نتبع سوى إرادتنا، وقد لا نكتشف أبداً أنَّنا في أغلب الأحوال لسنا أكثر مِنْ ممثِّلين ثانويّين على مسرح هذا العالم. هناك عوامل لا نعرفها لكنَّها تؤثِّر فينا وفي حياتنا، وتأثيرها يكون أقوى إنْ كانت عوامل لاواعية. هكذا، فنحن في الأقلّ جزءٌ من الحياة على مدى القرون. وهذا ما أسمِّيه «الشخصيَّة الثانية».

وطال بنا الحديث حتَّى ساعة متأخِّرة من الليل، حيث هدأت موسيقى نباح الكلاب الصاخبة أخيراً، وعمَّ السكونُ الشاملُ مختلفَ الأرجاء مِنْ حولنا، وأُرهِفتْ الحواسّ، وصَفَتْ النفوس وتسامتْ. وعندما بدأتْ فلولُ العتمة تتراجع أمام خيوط أشعة الشمس الأولى، رفع المؤذِّن أذان الفجر، فبدا لنا صوتُه عميقاً وساحراً؛ كما لو أنَّنا كنّا نسمعه في حلم. فقال يونغ، هامساً وهو يمعنُ الإصغاءَ والتأمّلَ: إنَّ صوتَ الأذانِ يهزُّني دائماً بعمق.

عندئذٍ، نهضنا من الشرفةِ ودخلنا بيتَ يونغ القديم متعدِّد الطوابق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قصّة مِنْ كتابي القصصيّ «الطيران على عصا مكنسة»، الصادر في العام 2009. وقد استخدمتُها أيضاً بدلاً من المقدِّمة في كتابي «بيت قديم متعدِّد الطوابق.. نظرات نفسيّة أدبيّة» الذي صدرتْ طبعته الأولى عن وزارة الثقافة الأردنيّة في العام 2018.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال