جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

سعود قبيلات ▣

حال «الرابع» والحِراك الآن..
جرى الاشتغال، بدأب وكثافة، طوال السنة الماضية، مِنْ أجل إنهاء وقفات «الرابع» الأسبوعيّة المنتظمة؛ حيث تمَّ استدعاء كثيرين (رجالاً ونساءً)، إلى دائرة المخابرات، وتمَّ الضغط عليهم وترهيبهم؛ لكي يكفّوا عن المشاركة في وقفات «الرابع». ولم تقتصر الاستدعاءات والتهديدات على الأفراد، بل تعدَّتهم إلى الأحزاب والجماعات أيضاً.

وهكذا، راحت الأعداد تتناقص، وفي كلّ خميس صرنا نفتقد صديقاً أو رفيقاً (رجلاً أو امرأة). البعض منهم كان يَصدقُ رفاقه وزملاءه، فيضعهم في صورة ما مورس عليه مِنْ ضغوطٍ (أو إغراءات) اضطرَّته للابتعاد عن «الرابع»، والبعض الآخر كان يخفي ذلك ويداور ويناور محاولاً اختلاق أسباب ومعاذير غير مقنعه لانسحابه.

ورافقتْ ذلك – كما هو معروف – حملةُ اعتقالات واسعة كانت حصّة نشطاء «الرابع» فيها هي الأكبر. بل إنَّ زميلنا ورفيقنا علاء ملكاويّ (هتّيف الرابع) اُعتُقِل وهو في طريقه إلى وقفة «الرابع». برّأت المحكمة علاء من التهم المسندة إليه، لكن، بدلاً مِنْ إطلاق سراحه، جرى تمديد توقيفه إلى أجلٍ غير مسمَّى.. بقرارٍ إداريّ مِنْ محافظ العاصمة.

وبشكلٍ موازٍ، جرتْ حملةٌ ممنهجة للتشكيك بجدوى احتجاجات «الرابع»؛ تمَّ ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ في الكثير من الأحيان، بل وخلال وقفات الرابع نفسها أيضاً.

وأنا، هنا، لا أشكّك بالذين قاموا بمثل هذا الدور؛ فأحياناً يوضع الناس، مِنْ دون انتباههم، في مناخاتٍ تدفعهم إلى اتّخاذ مثل هذه المواقف ونقل عدواها إلى سواهم.

وتمَّ الاشتغال أيضاً لتفكيك (ائتلاف الحِراكات والقوى الوطنيّة «مش ساكتين»). هذا الائتلاف كان قد شارك في إطلاقه أكثر مِنْ عشرين من الحِراكات والأحزاب (أسماؤها موجودة على بيانه التأسيسيّ). لكن، شيئاً فشيئاً، بدأت الانسحابات منه.. مِنْ دون إعلانٍ أو إعلامٍ غالباً، ومِنْ دون تقديم أيّ تبريرات واضحة.

ثمّ جرى، بفظاظة، الضغط على الأحزاب التي كانت تستضيف اجتماعات تنسيقيّة ائتلاف «مش ساكتين» في مقرّاتها لتتوقَّف عن ذلك.

وفي النهاية، التقى بعض الزملاء، الذين سبق لهم أنْ كانوا جزءاً من ائتلاف «مش ساكتين»، فشكَّلوا تجمّعاً حِراكيّاً آخر يكاد يقتصر على لونٍ سياسيٍّ وأيديولوجيٍّ واحد. هذا حقّهم بالطبع ولا ينازعهم فيه أحدٌ لولا أنَّهم سوَّغوا ذلك باسم توحيد الحِراك! باسم توحيد الحِراك تمَّ اصطناع عنوان حِراكيّ إضافيّ، فأصبحت الوحدة أبعد ممّا كانت عليه في السابق.

ثمّ قرَّر هؤلاء الزملاء الاستعاضة عن وقفة الرابع بتظاهره عند الجامع في وسط البلد!

وهنا، يُطرح بالضرورة السؤالان التاليان: ما هي الرمزيّة السياسيّة للتظاهر عند الجامع؟! وهل يمكن له أنْ يمثِّل بديلاً حقيقيّاً لوقفات الرابع؟

هذا يذكّرنا بانفراد البعض بالتظاهر عند الجامع، احتجاجاً على قرار ترامب باعتبار القدس عاصمةً أبديّة للكيان الصهيونيّ، بدلاً مِنْ أنْ يشارك في المظاهرة التي سيَّرتها الأحزاب والقوى الوطنيّة باتّجاه السفارة الأميركيّة!

لقد مثَّل انتقال فعاليّات الحِراك مِنْ عند الجامع إلى منطقة الدوّار الرابع، منذ سنتين، نقلةً نوعيّة في الاحتجاجات الوطنيّة؛ هكذا رآه كلّ الذين يعارضون الحكم الفرديّ المطلق ويعملون مِنْ أجل أنْ تكون الولاية العامّة كاملةً للحكومة وأنْ يصبح تشكيل الحكومات ملتزماً تماماً بالأصول والقواعد الديمقراطيّة المتعارف عليها.

رمزيّة هذا الموقف يمكن تحقيقها في منطقة الدوّار الرابع.. وليس في أيّ مكانٍ آخر. أمَّا سوى ذلك فليس مِنْ شأنه إلّا أنْ يبعث رسائل مشوَّشة ستتباين الاجتهادات في تفسيرها.. هذا إذا لم يتمّ تفسيرها على نحوٍ سلبيّ.

ولهذا، فقد أحسن المعلّمون صنعاً، منذ مدّة قريبة، عندما حاولوا، بقدر استطاعتهم، الوصول إلى «الرابع»، للضغط هناك مِنْ أجل تحقيق مطالبهم، ورفضوا رفضاً باتّاً عرض الحكومة السماح لهم بالاحتجاج عند مجلس النوّاب.

لقد تظاهرنا طويلاً في السابق في المسافة الواصلة ما بين الجامع وبين ساحة النخيل، فلم نوجِع أحداً إلا عندما انتقلنا مِنْ هناك إلى دوّار عبد الناصر (الداخليّة)، ثمّ إلى منطقة «الرابع».

ومع عدم تشكيكنا بأحد، هل يمكن التفكير في هذه العودة المفاجئة إلى التظاهر عند الجامع سوى أنَّها عودة إلى الوراء؟

بل هل يمكن التفكير بها في معزلٍ عن مساعي إخلاء منطقة الرابع التي لا تزال جارية على قدمٍ وساق رغم قلّة أعداد المشاركين في الوقفة الأسبوعيّة هناك؟!

الآن، يلتقي عند الرابع عددٌ محدود فقط من الأشخاص كلَّ يوم خميس. إنَّهم كلّ ما تبقَّى من الناس الذين لم ترهبهم التهديدات ولم تنفع معهم الإغراءات ولا كلّ محاولات التأييس وبثّ الإحباط.

نحن نعرف، بالطبع، أنَّ الغالبيّة العظمى مِنْ شعبنا ليست مع عصابة الفساد والاستبداد.. بل هي ضدّها. لكن ما الفائدة إذا كانت هذه الأغلبيّة تترك قلّةً قليلة مِنْ أبنائها يواجهون ويتصدّون لوحدهم ولا تساندهم كما يجب ولا تنصرهم؟

لدى البعض ملاحظات واعتراضات على أداء الناس الموجودين عند الرابع؟

حسناً، تفضّلوا بالمجيء إلى الرابع ونفِّذوا ما لديكم مِنْ رؤى واقتراحات؛ فلن يعترض طريقكم أو يعرقلكم أحد.

الأسبوع الماضي جاء إلى الرابع أعضاء «حملة غاز العدوّ احتلال»، فرحَّب بهم روّاد الرابع الدائمون، وتركوا لهم مسؤوليّة إدارة الوقفة كاملةً بالطريقة التي يرونها مناسبة.

لا همّ لدى الذين ما زالوا يصرّون على الالتزام بوقفة الرابع سوى العمل مِنْ أجل استقلال هذه البلاد وتحرّرها ونهوضها وتقدّمها وحرّيّة شعبها وكرامته وتأمين العيش الكريم له والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة والتنمية الوطنيّة وحكم القانون والمؤسَّسات. لذلك، فهم جاهزون دائماً للانضمام إلى كلّ مَنْ يأتي إلى الرابع ليرفع راية هذه الأهداف والمطالب ويعمل مِنْ أجلها.

مِنْ ناحية أخرى، سيكون النظام واهماً ومصاباً بقصر النظر إذا اعتقد أنَ إجراءاته السلطويّة التعسّفيّة – حتَّى لو نجحتْ في إنهاء الرابع نهائيّاً – ستنقذه من المأزق الصعب الذي وضع نفسه ووضع البلاد فيه. على العكس مِنْ ذلك، هذا سيزيد وضعه سوءاً. فالمشاكل عندما لا توضع لها حلول ناجعة تتفاقم. وقبضة القمع والاعتقالات التي يواجه بها النظام المعترضين على سياساته الجائرة سرعان ما تصبح هي نفسها مشكلةً تُضاف إلى باقي مشاكله.

لن يستمرّ الوضع في البلاد على هذا النحو إلى ما لانهاية، وخاتمة هذه السياسات اللاديمقراطيّة والمدمِّرة، التي تصرّ عصابة الفساد والاستبداد الحاكمة على اقترافها، معروفة ولا تحتاج إلى تنجيم. في الآخر، ستأتي لحظة الحقيقة. وعندها، إمّا أنْ نذهب إلى الحرّيّة والديمقراطيّة والتحرّر الوطنيّ والعدل الاجتماعيّ (هذا إذا ما تعاملنا بإيجابيّة ووعي ومسؤوليّة مع مصيرنا ومصير بلادنا)، أو فإنَّنا سنذهب جميعاً إلى جحيم الفوضى والاضطراب والخراب.. إذا ما واصل النظام سياساته الجائرة وواصلت الأغلبيّة الصامتة صمتها وبقيت معتصمة في بيوتها ومستسلمة للسلبيّة.

بالخلاصة،

مطلوب جهود حقيقيّة مخلصة ومثابِرة لإعادة توحيد عمل القوى الوطنيّة (ومِنْ ضمنها مجموعات الحِراك) في إطار جبهة وطنيّة شعبيّة، وإعادة تنشيط «الرابع» واحتجاجات المحافظات والمخيَّمات.

ومِنْ واجب هذه الجبهة أنْ تتقدّم ببرنامجٍ سياسيّ واقتصاديّ واجتماعيّ واضح يستند إلى فهمٍ دقيق لأحوال بلادنا وظروفها؛ ليكون برنامجاً للتحرّر الوطنيّ، وفكّ التبعيّة، وإطلاق عجلة التنمية الوطنيّة المتمحورة على مصالح البلاد ومصالح أوسع القطاعات الشعبيّة، وتوزيع الدخل والثروة والمكاسب والامتيازات توزيعاً عادلاً.

ومِنْ واجب هذه الجبهة أيضاً، إنجاز ميثاق وطنيّ شامل يُطمئنُ الفئات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة المختلفة على حقوقها؛ فيشتمل على ضمانات لتمتّع المواطنين جميعاً بحرّيّاتهم.. الشخصيّة والعامّة على السواء، وتأمين حقوقهم الإنسانيّة وفق المعايير الدوليّة، ومساواتهم أمام القانون (وفي الحقوق والواجبات) بغضّ النظر عن اختلافهم في الجنس أو الدين أو المذهب أو المعتقد الفكريّ والسياسيّ، واحترام تنوّعاتهم الثقافيّة، بغضّ النظر عن اختلاف توجّهات الحكومات التي يمكن أنْ تتداول السلطة في إطار عمليّة ديمقراطيّة.

لقد بادرت «لجنة المتابعة الوطنيّة»، قبل أشهر، فقدَّمت صيغتها الخاصّة المقترحة للميثاق الوطنيّ المنشود. ويمكن لهذه الصيغة (وسواها.. إنْ توفَّرت) أنْ تكون موضعاً للحوار ويُبنى عليها.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال