جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

سعود قبيلات ▣


قرأتُ، قبل أيَّام، مقالاً عجيباً يحاول صاحبه أنْ يساوي فيه بين حزب الله وبين عصابة أحمد الأسير الإرهابيَّة، وكذلك بين الوهَّابيَّة القروسطويّة التكفيريّة وبين بقيَّة الطوائف والمذاهب المسيحيَّة والإسلاميَّة؛ متجاهلاً أنَّ حزب الله لم يرفع في يومٍ من الأيَّام سلاحه على الجيش اللبنانيّ.. بل كان دائماً هو سنده وظهيره ضدّ "إسرائيل"؛ ومتجاهلاً، أيضاً، أنَّ حزب الله حركة مقاومة باسلة حرَّرتْ أرض وطنها من الاحتلال الصهيونيّ البغيض، وحمتها مِنْ تجاوزات العدوّ؛ فأصبح لبنان، منذ صيف العام 2006، الحمى العربيّ الأكثر منعةً؛ حيث أصبح "الإسرائيليون" يحسبون ألف حساب قبل التفكير بالاعتداء عليه واجتياز حدوده.

وكالعادة، يحاول هؤلاء أنْ يستثيروا النزعات الثأريَّة البدائيَّة لتحقيق مآربهم السياسيَّة؛ فيذكّرون بأنَّ حزب الله كان متّهماً باغتيال المناضلين والمفكِّرين الشيوعيين الكبيرين: مهدي عامل وحسين مروَّة.

كاتب هذه السطور واحد من الذين تأثَّروا جدّاً بفكر مهدي عامل، ولا أزال أعتبر اغتياله (هو وحسين مروّة) جريمة وحشيَّة لا تُغتَفر؛ لكنَّ الشيوعيين لم يبنوا، في يوم من الأيَّام، تحالفاتهم أو صداقاتهم وعداواتهم على أسباب ثأريَّة، بل على أساس ما يرون أنَّه يخدم مصلحة الأمّة وأمنها ومستقبلها. وأكبر دليل على ذلك، موقفهم مِنْ جمال عبد الناصر؛ رغم أنَّ أوَّل اثنين أُعدما في عهد ثورة تمّوز (يوليو) 1952 كانا نقابيين عمّاليين شيوعيين، هما: محمَّد مصطفى خميس ومحمّد عبد الرحمن البقريّ. كان ذلك بعد حوالي شهر مِنْ قيام الثورة، وكان جمال عبد الناصر، آنذاك، وزيراً للداخليَّة. وفي عهد رئاسة عبد الناصر شُنَّت حملة اعتقالات واسعة على الشيوعيين، ابتداء من العام 1959 ووُضعوا لسنوات طويلة في السجون والمعتقلات الصحراويَّة وسط أسوأ الظروف الطبيعيَّة والمعيشيَّة، وعوملوا أسوأ معاملة.. إلى حدّ أنَّ القائد الشيوعيّ البارز شهدي عطيَّة الشافعيّ اُستُشهد تحت التعذيب. وفي ظلّ الوحدة السوريَّة المصريَّة، أُعتُقِل القائد الشيوعيّ اللبنانيّ البارز فرج الله الحلو، وأُستُشهِد تحت التعذيب هو أيضاً، ثمَّ ذوَّبه عبد الحميد السرّاج، ذراع عبد الناصر الأمنيّ القويّ آنذاك، بالأسيد. لكن، مع ذلك، ما مِنْ أحد قدَّر إنجازات عبد الناصر التقدّميَّة الهائلة مثل الشيوعيين، وما مِنْ أحد دافع عنه بعد رحيله مثلهم؛ بمَنْ في ذلك الشاعر أحمد فؤاد نجم، الذي كان آنذاك في السجن، وكان عبد الناصر قد أقسم قائلاً إنَّه "لن يخرج من السجن ما دمتُ حيّاً". لكن ما مِنْ قصيدة قيلت في رثاء عبد الناصر أجمل وأوقع أثراً في النفس مِنْ تلك التي قالها أحمد فؤاد نجم في رثائه.


ونعود إلى موضوع اتّهام حزب الله باغتيال مهدي عامل وحسين مروَّة؛ فالذين يذكِّرون بهذا الأمر، حتَّى لو ثبتت صحَّة ما يذكِّرون به (وهو ما لم يثبتْ بعد)، يتجاهلون أنَّ الحزب كان، آنذاك، غير ما صار عليه في ما بعد. فآنذاك، كانت تسيطر عليه اتِّجاهات دينيَّة متزمِّتة، ولم تكن مشكلتها مع الشيوعيين وحدهم؛ بل أيضاً مع فصائل وتيّارات سياسيَّة أخرى.. بما في ذلك حركة أمل. وقد دارت بين أمل وبين الحزب – آنذاك - الكثير من المعارك التي راح ضحيَّتها كثيرون من الطرفين. ومَنْ كانوا مسؤولين عن هذا الاتّجاه (صبحي الطفيليّ، على سبيل المثال)، خرجوا من الحزب منذ سنين طويلة؛ بل إنَّهم أصبحوا جزءاً من الصفّ الآخر المعادي له، والمعادي للشيوعيين وحلفائهم جميعاً (أي صفّ 14 شباط (أو آذار) و"الثورة السوريَّة")، بكلّ رموزه وتيَّاراته المعروفة؛ مِنْ أمثال سعد الحريريّ والسنيورة وسمير جعجع والكتائب والشمعونيين.. الخ. أمَّا الآن، فحركة أمل وحزب الله حليفان وثيقان.


لقد تغيَّر الحزب كثيراً، منذ أوائل تسعينيَّات القرن الماضي؛ أي منذ أصبح السيّد حسن نصر الله أميناً عامّاً له. حيث انفتح على جميع طوائف المجتمع اللبنانيّ واتّجاهاته السياسيَّة، وأصبح يبني تحالفاته أو خصوماته، على أساس الموقف من العدوّ الصهيونيّ والإمبرياليَّة الأميركيَّة وأتباعهما في المنطقة. وبالتالي، فمن الطبيعيّ، أنْ يكون الشيوعيون في مقدِّمة حلفائه. لأنَّ بوصلة الشيوعيين تؤشِّر، دائماً، على العداء للإمبرياليَّة وحلفائها وأتباعها، وعلى هذا الأساس تُرسَم حدود صداقاتهم وعداواتهم.
وبالتالي، فلا نملك أنْ نقول لهؤلاء، الذين يحاولون أنْ يلعِّبونا على وتر داحس والغبراء، إلا ما يقوله أشقاؤنا اللبنانيّون في مثل هذه المناسبة: خيِّطوا بغير هالمسلة.  
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال