جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

سعود قبيلات ▣


تتجوَّل الفتنة المذهبيَّة الطائفيَّة، بوجهها البشع الكالح، مِنْ مكانٍ إلى آخر، في عالمنا العربيّ المنكوب بها؛ حيث يتنادى أشخاصٌ ظلاميّون مهووسون، علناً، إلى قتل مواطنيهم لمجرّد اختلافهم معهم بالرأي أو بالمعتقد أو بالدين أو بالمذهب. ويؤجِّج هذه النوازع الغريزيَّة البهيميَّة رجال دينٍ مأجورون يخدمون في السلك الأمنيّ لسلاطين تديرهم أجهزة الاستخبارات الأميركيَّة والأطلسيَّة.

الأن، لم تعد "إسرائيل" هي العدوّ، بالنسبة لهؤلاء، ولا أميركا أو الأطلسيّ.. بالطبع؛ بل "الروافض" و"النصارى" و"النصيريّون" وما إلى ذلك.. مِنْ أبناء أمّتهم وأوطانهم. وإزاء هذا الوضع المريع، لا يملك المرء إلا أنْ يعود بذاكرته إلى الماضي القريب (أربع أو خمس سنوات فقط)، ليتذكَّر كيف شرع الأميركيّون، والدوائر الأطلسيَّة عموماً، بالحديث، علناً، عن ضرورة خلق انقسامٍ مذهبيّ (سنِّي شيعيّ)، لحرف مشاعر العداء العربيَّة التي كانت تتَّجه إلى "إسرائيل" وإعادة توجيهها نحو الشيعة العرب وإيران. وذلك لعزل إيران وإخضاعها للمزيد من الضغوط كي تتراجع عن خططها لتطوير برنامجها النوويّ، ولمحاصرة حزب الله وتفكيك حاضنته الوطنيَّة في لبنان وإضعاف قدرته على مواجهة "إسرائيل". ومَنْ نسي كلَّ هذا، يستطيع أنْ يعود، عبر الشبكة العنكبوتيَّة، إلى أرشيفات الأخبار والدراسات والتحليلات في الصحف والمنابر الإعلاميَّة المختلفة.
المدهش، حقّاً، أنَّ كلَّ ما خطَّط له الأميركيّون ورسموه مِنْ سيناريوهات معادية، يُنفَّذ الآن بدقَّة شديدة وبالتفصيل؛ بحيث أصبحنا نجد الكثير من الأشخاص يؤدّون، بحماسٍ شديد وحميَّة زائدة، أدوارهم في هذه السيناريوهات – سواء وعوا ذلك أم لم يعوه – بالكلام المذهبيّ التفتيتي البغيض وبالأفعال الإجراميَّة البشعة وبالتعبئة المذهبيَّة السافرة. ولا يملك الإنسان وهو يرى هذا الهوس المستشري، من العراق إلى لبنان إلى مصر إلى سوريَّة.. الخ، إلا أنْ يتساءل: كيف تمكَّن الإمبرياليّون مِنْ تحقيق كلَّ مخطَّطاتهم اللئيمة، تلك، في عالمنا العربيّ، بهذا المستوى الكبير من النجاح، مع أنَّهم لم يبذلوا أيّ جهدٍ جدّيّ لإخفائها؟ ولماذا ذاكرة الناس في بلادنا ضعيفة إلى هذا الحدّ؟ ولماذا يسهل التلاعب بهم إلى هذا الحد؟ وهل كان يمكن للإمبرياليين أنْ يحقِّقوا مثل هذا النجاح في أيّ مكانٍ آخر سوى عالمنا العربيّ؟
أتابع هذه الهستيريا المذهبيَّة المدمِّرة (لأصحابها قبل سواهم)، وهي تطلق صلياتها القاتلة عبر الفضائيَّات المشبوهة ومنابر الإعلام المأجور وبعض مواقع التواصل الاجتماعيّ المسعورة التي أصبحت موئلاً للحقد الأعمى والشحن الغريزيّ البدائيّ، فأستغرب ما يجري إلى أبعد حدّ، وأتساءل صادقاً: ما الذي يريده هؤلاء؟ ألا يعرفون أنَّهم يقودون الأمّة إلى الهاوية؟ ألا يعرفون أنَّهم يدمِّرون مستقبل بلدانهم، ويصعِّبون ظروف عيش أبنائهم؟ ثم، عن ماذا يدافعون؟ ولماذا تأخذهم الحميَّة إلى هذا الحدّ؟ لماذا يختلقون الأعداء مِنْ بينهم في حين أنَّهم يبدون شديدي الاطمئنان إلى عدوِّهم الحقيقيّ المتربِّص بهم؟
أعرف أنَّ بعض المشاركين في هذه الهستيريا الجاهليَّة يعون جيّداً أبعاد الأدوار التي يقومون بها ومراميها؛ كما أعرف أنَّه لا يهمّهم، مع ذلك، شيء سوى أنْ يؤدَّوا أدوارهم، تلك، على أكمل وجه، خدمةً لمشغِّليهم. فكلّ شيء واضح الآن؛ ويكفي أنْ ينظر المرء حوله ويتأمّل قليلاً في حاله، ليرى مَنْ يقف إلى جانبه، ومَنْ يشجّعه، وهل هو عدوّ أم صديق، وما هي أهدافه المعلنة والمضمرة.
على أيَّة حال، الأيدي التي تعبث بكيان الأمّة وبأمنها ومصيرها، لم تعد تخفى على أحد؛ والذين يقفون وراءها غير خافين هم أيضاً، وأساليبهم مكشوفة وحججهم زائفة لا تصمد أمام أبسط محاكمة عقليَّة.. ولذلك، فإنَّ أكثر ما يحيّرني ويثير استغرابي هو هذه الجموع الحاشدة التي تتطوَّع للسير وراء مَنْ يقودونها إلى حتفها كما لو أنَّها مضبوعة أو مسرنمة*. فيا لهذه الأمّة ما أعجب أمرها!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المسرنم هو السائر في نومه.
3 تعليقات
إرسال تعليق

  1. كلام جميل، لكن لماذا يتم التغاضي عن الدور الإيراني في في تغذية المذهبية و تسليح المتطرفين، كتسليح الحوثيين مثلاً؟

    السؤال أعلاه كان بخصوص الطائفية، أما بخصوص كون إسرائيل لم تعد هي العدو، فهذا موقف لا يمكن تبريره، إسرائيل ستبقى هي العدو الأول للعرب. و لكن، و بعيداً عن الطائفية، لماذا يتم التغاضي عن الأطماع الإيرانية التوسعية في منطقتنا؟ و التي تجلَّت في إحتلال الجزر الإماراتية و تسليح الحوثيين و دعم و لا بل قيادة المعارضة البحرينية و النفوذ في لبنان و العراق و سوريا و الخلايا التجسسية في السعودية؟

    ألم يستفزكم خطاب السيد روحاني حين قال "دول الخليج الفارسي"؟ الغريب أن السياسيين الإيرانيين لا ينكرون أطماعهم التوسعية كما ينكرها اليساريون الأردنيون.

    لن نختار بين إسرائيل و إيران، فمعاداة إيران ليست مصادقةً لإسرائيل، كلاهما عدو.

    ردحذف
  2. اليسار الأردني لا يزال عالقاً في ثنائيه الشرق و الغرب, لا يزالون يرون ان الشرق ملائكي و الغرب هو الشيطان, فالأنبطاح امام المشروع الروسي في المنطقه و تمهيد الطريق له بالتحالف مع ادواته في المنطقه (ايران و النظام السوري) امر مبرر بل و هو خير, اما العكس فهو عماله و رجعيه و تخلف, بدلاً من ان يأخذ اليساري المثقف موقعه الصحيح بين العوام و يقوم بوظيفته الوطنيه الا وهي التوعيه بجميع الأخطار المحدقه بالأمه سواء من الشرق او الغرب,اختاروا ان يحصروا دورهم بالردح و تحميل الأسلاميين المسؤوليه و تضيق افق الناس و حصره بهذه الثنائيه الغبيه و تحديد خياراتهم المستقبليه فإما الأنبطاح امام ما هو قادم من الشرق و التهليل له او الهلاك , الجيل القديم من اليسار تعفن, يحملون اكثر النظريات ماديه و صرامه لكن تحليلاتهم مثاليه اكثر من افلام الكرتون,

    ردحذف
  3. جميل جدا ما جاء في المقال من استنكار للطائفية المقيتة وبيان خطورتها ..ولكن لا اعتقد ان من وجهت اليه اصابع الاتهام في التخطيط والتدبير الا وهو (الامبريالية )هي المسؤولة عما آلت اليه الأمور ! لماذا الغرب هم دائما الشماعة الوحيدة والحصرية التي يعلق عليها العرب اخفاقاتهم وكوارثهم !!!! لنكن صريحين مع الغير ومع النفس بالدرجة الاولى ، لم تتعزز الطائفية وتستفحل لو لم تجد تربة مجهزة لتنمو وتقوى بها ...الا نمتلك عقول ؟! هل نحن شعوب مخمورة ومعاقة لكي تكون جاهزة دائما لتقاد كالنعاج !!! الطائفية صنيعة الجهل والتخلف .

    ردحذف

إعلان أسفل المقال