جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

شهوة الكتاب - ناهض حتَّر
أصدر رفيقي القديم سعود قبيلات، «كتابه»؛ كأنَّه الكتاب! هوس الاتقان من الغلاف إلى الغلاف: في الموضوع والمضمون، واللغة، والبنط، والطِّباعة... في الشَّهوة الكتاب، وقد استنزفت سنوات مِنْ حياة الكاتب، وهي تتحقَّق.. فلا ترضيه.. وإنْ كان مطمئنّاً. 

في زمنٍ سابق، كانت شهوة القول، شهوة تغيير العالم، تتقافز بين كلمات سعود غير المعقولة، أقرأها في كتابٍ مطبوعٍ في مطبعة شعبيّة.. ولكن لها مذاق الرَّغيف السَّاخن! الآن، أصبح الرَّغيف.. قلادة! 

«بعد خراب الحافلة»: مجموعة قصصيّة رواية/ شهادة.. أو هي كلّ ذلك في خطابٍ أخير يبدأ مِنْ لحظة موت، يتحوّل فيها الإنسان/ المشروع إلى تمثال. ليس ذاك هو الموت الطَّبيعيّ/ الوجه الآخر للحياة. إنَّه حيويّة توقَّفتْ، تحجَّرتْ في محطَّة، حين تعطَّلت «الحافلة»، وسقط المشروع كلُّه. هنا، يتأمَّل التِّمثال ذاته، ماضيه الحيّ، إذ لم يعد، في الحاضر، ما يمكن الحديث عنه، هذا هو كتاب سعود قبيلات، رفيقي القديم.. الَّذي كان يهزُّ قبضته في وجه العالم. 

منذ ثلاث سنوات على الأقلّ والكاتب يعاني نصوص الخراب. وكان لي قسطٌ مِنْ هذه المعاناة. قرأتُ النّصوص مرَّةً واثنتين وثلاثاً. وكان الحزن يعصف بي. فهذا الإلحاح على اتقان الموت، سؤالٌ موجع، أجبتُ عليه، أنا، بمغادرة المحطَّة سيراً على الأقدام، في طريقٍ محتشدٍ بالأشواك والمزالق والأخطاء والخطايا. ولذلك، لم أستطع أن أتعاطف مع تأمّلات، التّمثال، في محطَّةٍ خاوية، وإلى جانب حافلةٍ خَرِبة. 

*** 

سعود قبيلات موهبة أدبيّة أصيلة، أطلقها الحزب الشّيوعيّ في لحظة انطلاق؟ وأسكتها خراب الحافلة، جمَّدها في تمثال.. نطق، أخيراً، في كتابٍ.. كأنَّه.. سيمشي الآن، سيواصل سيراً على الأقدام.. أو أنَّه سيصمت إلى الأبد. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

جريدة «العرب اليوم» - الأحد 12 - 5 - 2002
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال