جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة


كان ذلك في ليل القاهرة الرَّمضاني من العام 2009، وفي جنبات قلعة صلاح الدين، تعرَّفتُ إلى سعود قبيلات عن قرب، صمته وهدوؤه وقلَّة حركته وربَّما حذره، تدعوك كلّها إلى عدم الاقتراب منه أو عدم البحث عن نقاط التقاء معه، ولكن، ما إن تحدَّثنا، حتى أَخَذَنا الكلام الَّذي انفتح واتَّسع وغاص إلى حيث لم نكن نقصد أو ننوي، ولمّا قرأت كتابيه «1986» و«بعد خراب الحافلة»، فإنني أعترف تماماً أنَّني قرأت أدباً راقياً ورفيعاً، وأعترف أيضاً أنَّني غبطتُ سعود غبطةً حارقة أرجو أن لا تقترب مِنْ حرقة الحسد.

الأدب الرَّاقي والرفيع هو أدب تأويليّ، إشاريّ، ترميزيّ، أدب الصّورة والخيال والتّأمل، وهو أدب السّؤال الكبير، أدب المعضلة البشريّة، أدب الاستثارة وفتح بوَّابات النَّهم اللانهائيّ للمعرفة والبحث وعدم الاستكانة، الأدب الراقي هو أدب التَّحريض على الحياة، لأنَّه ببساطة يقدِّم أو يعرض لجوانبها ومعانيها الَّتي تعمِّق فينا الإحساس بالانسجام أو التَّناقض، وحتَّى أُلاحق هذه الفكرة حتَّى نهايتها، فإنَّ الأدب الرَّاقي والرَّفيع هو أدب يؤثِّر لأنَّه يطرق في الرّوح الأبواب المغلقة، ويهيج مكامن الوجدان، ويحاول أن يجعل من مجسَّات الوجود أكثر حساسيّة لالتقاط كلِّ نأمة وخلجة، الأدب الراقي أدب مفاجئ بكلّ معنى الكلمة، هو مفاجئ لأنّه يأتينا مِنْ حيث لا نحتسب، ويلقي حجراً في البركة التي استنامت إلى ديدانها. والأدب الراقي هو ابن نسيجه الثَّقافيّ ووليد تطوّره التَّاريخيّ والحضاريّ، لا يستورد ولا يتمثَّل ولا يغرف مِنْ محابر الآخرين، لا الحبر ولا الرّيشة ولا المضامين.

لا أبالغ إذا قلتُ إنَّ نصَّ سعود قبيلات (وبالمناسبة هو نصٌّ واحدٌ بأوجه عديدة، وفكرةٌ واحدةٌ بتنوعات متعدِّدة) هو نصّ أصيل ونقيّ، وحتّى لا نغرق في العموميات، فإنَّني أقول إنَّ أصالة نصّ سعود تتبدَّى في التَّركيز على موضوعته الأساسيَّة - وهي موضوعة ثرَّة وغنيَّة وذات أوجه وذات مستويات - وفي قدرته أن يحوِّل هذه الموضوعة إلى رمز كبير أو تأويل غنيّ، نستطيع معه- نحن القراء - أن نخلِّصه مِنْ محليّته ليتحوَّل النصّ إلى نصٍّ إنسانيّ بامتياز.

أليست هذه روعة الفنّ؟! أقصد أن يكون النصّ لي أنا وحدي، وكأنَّني شاركتُ في تأليفه أو صوغه، وهو نصّ أصيل أيضاً لأنَّ فيه صدقاً وكشفاً ومقدرةً عالية على النَّفاذ مِنْ جهة والتأثير مِنْ جهة أخرى، وهو أصيل لأنَّه اجتراح من البيئة ومن الثَّقافة المعيشة ومن النَّماذج الَّتي نعرف، وهو أصيل لأنَّه يكتشف قوانينه الخاصَّة، الجماليَّة والموضوعيَّة، مِنْ خلاله لا مِنْ خلال الأفكار السَّابقة أو الدوغمائيّة، وهو أصيل لأنَّه ينصاع للجماليّ أوّلاً، وصولاً إلى النَّفعيّ ثانياً، أو، للدّقّة، كان هناك انطباق شديد بين هذه النَّفعية والجماليّة بطريقة أخّاذة وفاتنة، وقد يقول قائل هنا؛ إنَّنا نستشفُّ أجواء وعوالم بورخيس أو كافكا (على اختلاف عالميهما)، أو، ربما، تجربة محمود شقير، أو حتى إيقاعات الواقعيّة السحريّة الّتي كان لها صدى واسع في اوائل السبعينيّات من القرن الماضي، وبرأيي المتواضع.

كلَّ ذلك بعيد عن الصّحة، لقد أتى سعود قبيلات بنصٍّ أصيل حقّاً، وأبعد مِنْ هذا وأكثر، فهو نصّ أصيل على المستوى الشخصيّ والمستوى الفنيّ أيضاً، فقد استطاع الفنّ – والفنّ وحده - أن ينقذ نصّ سعود قبيلات من الايدولوجيا وحديديّتها، ومن الشعاراتيّة والصّراخ والتَّشنج والتَّعصب والانغِلاق والتَّهجم وتصنيف العالم - على عادة الأيديولوجيين عموماً -، أعتقد هنا، أنَّ قبيلات بنى عالمه الفنيّ بكثير من الرويَّة والرؤية الواسعة، ولأنَّني أؤمن بالنَّقد الثقافيّ، على طريقة النَّاقد الغذامي، فإنَّني أعتقد أنَّ ما فعله قبيلات كان ذروة الاشتباك مع الواقع وسلطاته كلّها، تماماً كأيّ مثقَّف يقوم بواجبه ويؤمن بدوره ولا يتوانى عن التقدّم بأكثر أدواته نصاعة ومضاءً.

إنَّ موضوعة التَّحلل والموت والرّحلة والسَّفر والبحث عن المعنى والخواء والخراب وعدم التَّواصل والتَّفكك والخديعة والنِّهايات المرعبة وغير المتوقَّعة والخوف والانكفاء والانطواء والانكسار والهزائم الشَّخصيَّة والانشطار والانفصام والتَّقابل والتَّماثل في لعبة المرايا اللانهائيّة، كلّ ذلك يشكِّل عالم قبيلات القصصيّ، إنَّه عالم غير متماسك ولا واثق ولا ثابت ولا يدعو إلى الرضا، هو عالم موهوم وواهم، وقد يتحوَّل في لحظة ما إلى عالم آخر، أو يتَّجه اتِّجاهاً آخر، أو قد تكون له نهاية أخرى، وهو ليس أفضل ما يمكن ولا هو أبدع ما يستطاع، هذا عالم يقوم على هاوية أو على حافَّة جرف، حتَّى كاتب النّصوص يستطيع أن يلاحق نفسه داخل النصّ، يحاوره ويجادله ويحاسبه، في العالم الذي يحكي عنه سعود ويصوّره، لا شيء يبدو على ما هو عليه، فهو مهدَّد بالتَّحوّل والتَّفكك والموت والانحلال، كنهايات مرعبة وقاتمة ومخيفة، ولم يجد سعود مِنْ نقطة ارتكاز له في هذا العالم سوى «تمثال» حجريّ يشاهد تغيّر العالم وتفكّكه وخرابه مِنْ دون أن يستطيع أن يحرِّك ساكناً.

هل هي خيبة الأمل الكبرى من الوجود ومن المثل ومن المستقبل الواعد؟ّ! هل هو البحث عن النِّهاية في أحضان الموت الذي يكتسب معنى العذاب والعذوبة في النصّ؟! قد يكون ذلك كذلك، ولكن هذه مجرَّد قراءة واحدة مِنْ بين عشرات القراءات أو قل المئات.

الأدب الراقي هو الأدب المؤول، إنَّ حدَّة المواجهة وعنف الاشتباك بين «التّمثال» صاحب القلب الانسانيّ الَّذي يصبح مع الوقت شاهداً على عصره وربَّما فضيحة عصره أيضاً، ليرصد لنا لحظة تاريخيَّة وحضاريَّة هامَّة بين «الثَّابت» و«المتحرك»، بين «الأصيل» وبين «الهزيل»، فالحديث كلّه يدور «بعد خراب الحافلة»، إنَّ خراب الحافلة - باعتبارها وسيلة نقل جماعيّة - سيدفع الجميع إلى البحث عن الخلاص الشخصيّ ليس إلا، ولكن الخلاص الشخصيّ لا يكفي ولم يشكّل يوماً قوّة تغيير، إلا إذا كان الحديث عن النَّجاة بالمعنى الصوفيّ للكلمة.

ويبدو أنَّ سعود اختار أن يحفر في هذه المنطقة بالذّات، واختار أن يبحث عن الَّذي ضاع في عالم من الخراب الكامل، إلى درجة أنَّه يلتقي بنفسه (أي أنَّ الكاتب ينشطر حتَّى على المستوى الفكريّ والوجدانيّ في عالمٍ قابلٍ للانفصام)، ولا أعتقد أنَّ الأمر فيه فانتازيا - كما رأى صديقنا إلياس فركوح - بقدر ما فيه مِنْ واقعيّة شديدة، وهو ما أدَّعي أنَّه يعزِّز زعمي بأنَّ هذا النصَّ أصيلٌ تماماً.

إنَّ المراوحة بين عالمين، أحدهما واضح و«منطقيّ» وبين عالم آخر معتم و«فانتازي» يكشف زيف الأوَّل وأصالة الثاني، وكأنّي بسعود يقول؛ إنَّ الاستكانة والرِّضا بالعالم الأوَّل ما هو الا كذبة كبرى أو كالعيش على حافَّة جرف، وإذ يغامر سعود بالتَّجوّل في العالم الثاني، فإنَّه يكتشف بنفسه حجم الخديعة.

في الأدب الرَّاقي عادة ما يكون هناك نصّ آخر مضمر، غير مكتوب ولكنّه محسوس، هو نصّ يتنامى ويكبر كلّما أوغلنا في النصّ المقروء. وفي نصوص سعود هناك نصّ آخر مضمر، يشكِّله القارئ كيف يريد وكيف يرى.

أمّا المفاجأة الكبرى في نصوص سعود، فهو لغته، فهي لغة رتيبة وهادئة، لا توحي بما تحتها من انفجارات وألغام، هي لغة تخدعك تماماً، فهذه النّعومة والسَّلاسة وحتَّى الأناقة لا توحي إطلاقاً بأنَّها تقودك إلى عالم لا نعومة ولا سلاسة ولا أناقة فيه، ورغم هذا التَّناقض بين لغة هادئة ومضمون مشاكس، إلا أنَّك لا تستوحش ولا ترفض، بل تستسلم لقوانين هذا العالم المشطور حتَّى بين شكله ومضمونه.

أعود إلى قلعة صلاح الدّين في ليل القاهرة الرمضانيّ من العام 2009، وسأتوقَّف طويلاً أمام هدوء وحذر سعود الشخصيّ وبين عالمه القصصيّ الذي لا هدوء فيه ولا حذر. أعتقد أنَّ الكاتب توحَّد مع نصِّه تماماً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن جريدة «الأيّام» الفلسطينيّة - رام الله
19 تشرين الأوَّل/أكتوبر 2010
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال