جاري تحميل ... مدونة سعود قبيلات

إعلان الرئيسية

«إنَّ بعض الأماكن الضَّيِّقة المحكمة الإغلاق قد يكون فضاؤه بلا حدود، وبعض الأماكن المفتوحة والفسيحة قد يكون بالغ الضِّيق وبلا فضاء ولا آفاق، وبعض الأماكن الخالية قد يكون أكثر ازدحاماً من الأماكن المكتظَّة. وإنَّ الصَّمت قد يكون أكثر صخباً من الضَّجيج، والضَّجيج قد يكون خالياً من الأصوات. وإنَّ القامة قد تكون متطاولة إلى حدّ أنَّها بالكاد تبلغ نعل حذاء، وقد تكون عالية إلى حدّ أنَّها تطاول رؤوس السنابل». مِنْ كتابي الموسوم «كهفي» - سعود قبيلات.

إعلان في أعلي التدوينة

سعود قبيلات 
يسار ووسط ليس لهما يمين!
ثمَّة نكتة سياسيَّة قديمة ذات مغزى، تتحدَّث عن السياسيّ الذي يشغِّل غمَّاز سيَّارته على اليسار، ثمَّ يتَّجه إلى اليمين!

هذا في الماضي، أمَّا الآن، وبالنسبة للحالة التي نحن بصددها، فالسياسيّ يقوم بكسر غمَّاز «سيَّارته» أو تعطيله أو طمسه بالغبار.. الخ، ثمَّ يدخل في الضباب!

لا أقول هذا من باب المبالغة أو التصوير الكاريكاتيريّ، بل لأنَّه المثال الذي ينطبق فعلاً على التيَّارات السياسيَّة المحليَّة، التي تعاني مِنْ مشكلة غريبة وطريفة في تصنيفها لنفسها؛ حيث أنَّها جميعها تحشر نفسها في خانتيْ الوسط واليسار، أمَّا خانة اليمين فتظلّ فارغة تماماً بانتظار من يتطوَّع لملئها (وربَّما يخاطر بذلك)!

ولكن، كيف يجوز أنْ تبقى خانة اليمين فارغة ثمَّ يجري تصنيف القوى السياسيّة إلى وسط ويسار؟ وسط ويسار بالنسبة لماذا؟ أليسا بالنسبة لتلك الخانة الفارغة؟! (الطبيعة تكره  الفراغ، كما يُقال عادةً)؛ وإذاً، يحلّ الوسط تلقائيّاً في خانة اليمين. ومعه أيضاً بعض مَنْ يصنِّفون أنفسهم في خانة اليسار.

عندما نتأمّل تجلِّي هذه المشكلة في تفاصيل الحياة السياسيّة المحليّة، نجد أنَّ الإسلاميين (بما فيهم «الإخوان المسلمون») يصنِّفون أنفسهم كوسط، والمجموعات التقليديَّة التي تصطف دائماً مع «المواقف الرسميّة» تصنّف نفسها هي أيضاً كوسط، والليبراليون الذين يؤيِّدون الحلول الرأسماليّة يصنِّفون أنفسهم كيسار! أمَّا اليسار فمشتَّت ومشرذم وتائه ويكاد يكون غائباً من حيث الوجود المنظَّم والمؤثِّر الذي يستطيع أن يقدِّم ذاته من خلاله كقوَّة سياسيَّة مستقلة تعبِّر عن مصالح الطبقات الشعبيَّة الفقيرة وتتبنَّى طموحاتها.

والأكثر طرافة وغرابة، بالنسبة لهذه الخانات الثلاث، هو خانة «الوسط»! ماذا يعني الوسط مفهوميّاً؟ هل هو خليط تلفيقيّ من اليمين واليسار؟ أم أنَّه لا يمين ولا يسار؟! وفي هذه الحالة، ماذا هو إذاً؟!

تُصنَّف القوى السياسيّة عادةً بالاستناد إلى موقفها من النِّظام السياسيّ الاقتصاديّ الاجتماعيّ المحلِّيّ القائم ومن النظام الرأسماليّ الدوليّ ككلّ، فما الرّسالة السياسيّة الجوهريّة التي يريد إيصالها أولئك الذين يصنِّفون أنفسهم في خانة «الوسط»؟ هل يريدون أنْ يقولوا إنَّهم مع النظام السياسيّ المحلّيّ ومع النظام الرأسماليّ الدوليّ، وضدّهما، في الوقت نفسه؟! أم يريدون أن يقولوا إنَّهم لا معهما ولا ضدّهما؟! فمع ماذا وضدَّ ماذا هم إذاً؟!

في كلّ الأحوال، هي محاولة للقول إنَّهم بلا لون ولا طعم ولا رائحة. وهذا محض خداع وتزوير وافتراء.

ولكن، لماذا تخفي قوى اليمين هويَّتها الحقيقيَّة؟ 

هل تشعر أنَّ في هذه الهويّة ما يشينها ويجعلها خجلة بها؟ 

إذا كان الأمر كذلك، فعليها أن تتخلَّى عن التوجُّهات التي تخجل بها. أمَّا إذا كانت لا تريد أن تتخلّى عن توجّهاتها هذه، ولديها المصلحة والقناعة في تبنِّيها، فعليها، إذاً، أن تنسجم مع حقيقتها، وتتصالح معها، وتقدِّمها إلى الناس كما هي فعلاً، ثمَّ تحاول كسب المزيد من الأنصار والحلفاء بناء عليها.

الحقيقة أنَّ هناك أسباب عدَّة أدَّت إلى هذه الظاهرة الغريبة (والطريفة)؛ منها، على سبيل المثال:


1. هيمنة الخطاب السياسيّ اليساريّ لفترةٍ طويلة، رغم مهاجمته مِنْ خصومه باستمرار، وبذل جهود كبيرة محليَّة ودوليَّة لمحاصرته.

وبالنسبة لليسار، فمصطلح اليمين، كما هو معروف، ينطوي على تقييم سلبيّ جدّاً؛ فإذا ما أتُّهِم اليساريّ بأنَّ لديه اتِّجاهات يمينيّة أو ميول يمينيَّة، فإنَّ ذلك يعني، بالنسبة له، اتِّهامه بخيانة مبادئه وقيمه اليساريَّة.

ولكن، ما علاقة اليمينيّ «الأصليّ» بهذه القيم اليساريّة؟ ولماذا لا يُظهِر هويَّته الحقيقيَّة ويدافع عنها؛ تماماً مثلما يفعل اليساريّ؟

ونحن حين نتحدَّث عن اليمين، هنا، فإنَّما نتحدَّث عن هويَّة سياسيَّة اجتماعيَّة اقتصاديّة طبيعيّة يُفترض أنَّ لها أنصارها مثلما أنَّ لها خصومها، ولا ننطلق في ذلك مِنْ منطلق قيميّ أو أخلاقيّ معيَّن.

2. ضعف التجربة السياسيَّة، للقوى السياسيَّة المستجدَّة، بسبب التَّغييب الطَّويل للحياة السِّياسيَّة خلال فترة الأحكام العرفيَّة. الأمر الَّذي أدَّى إلى انتشار الكثير من المفاهيم المغلوطة لدى العديد مِنْ هذه القوى الَّتي دخلت الميدان حديثاً.

3. ضعف الاطّلاع على الفكر النَّظريّ السَّياسيّ؛ نتيجة ضعف الاتِّجاه إلى القراءة، بشكلٍ عامّ.. لدى السياسيين وغير السياسيين.

4. العداء الشَّعبيّ لليمين الدوليّ بسبب سياساته الاستعماريَّة، السَّابقة والحاليّة، في المنطقة العربيَّة، ونزعاته الاستغلاليَّة لشعوبها. لذلك يخشى اليمين المحلّيّ الرَّبط بينه وبين هذه القوى الدَّوليَّة المكروهة محليّاً وعربيّاً؛ فيعمد إلى إخفاء هويَّته السِّياسيَّة.

5. أمَّا بالنسبة لليبراليين خصوصاً، فسبب سعيهم لإخفاء هويَّتهم بقناع يساريّ زائف – خلاف ما هو الحال عليه بالنّسبة للاتِّجاهات الليبراليَّة في دول العالم الأخرى – إنَّما يعود إلى أنَّ كثيرين منهم كانوا في الأصل يساريين، ثمَّ غيَّروا ولاءاتهم واتِّجاهاتهم بعد انهيار الاتِّحاد السوفييتيّ، وهم الآن لا يريدون أن يخسروا الأوساط السِّياسيَّة والاجتماعيَّة الَّتي كانوا يتحرَّكون بينها في عملهم السِّياسيّ السَّابق.

وأيضاً لأنَّ الرِّجال حين يغيِّرون مبادئهم يظلّون يستخدمون المفردات نفسها التي تعوّدوا على استخدامها في السابقْ. كما يقول تروتسكي. وهو مصيب في هذا.

ولكن، كم من النَّاس مَنْ يستطيعون «إقناعه» عن طريق هذا التَّمويه غير المتقن وغير المبدئيّ؟

ثمَّ كم سيتبقَّى لهم من الصّدقيَّة السِّياسيَّة بعد ذلك؟

6. البُنية الاجتماعيَّة الاقتصاديّة المشوَّهة، تترك بصماتها القويَّة، بالتأكيد، على صورة ومضمون الحياة السياسيَّة. وطبيعيّ أنَّ مِنْ ضمن ما تؤدِّي إليه هو مثل هذه المفاهيم المشوَّشة والمرتبكة.

وثمَّة مفهوم آخر عجيب يندرج في سياق عمليَّة الخلط والتَّزييف الشائعة هذه؛ ألا وهو المفهوم الَّذي يتحدَّث عن أحزاب برامجيَّة وأخرى عقائديَّة! وهذا، في حدود عِلمي، «ابتكار» محلِّي فريد. ومع الأسف، لم ينتبه له المنظِّرون السياسيّون في العالم ليبنوا عليه ويروِّجوه.

بطبيعة الحال، ألف باء العمل السياسيّ يقول إنَّه يجب أن يكون لكلّ حزب سياسيّ برنامج سياسيّ ينسجم مع توجُّهاته الفكريَّة والسياسيَّة ويعبِّر عن هويته الاجتماعيَّة الاقتصاديّة، ولكن هل بالإمكان وضع برنامج سياسيّ حقيقيّ مِنْ دون الاستناد إلى خلفيَّة عقائديَّة معيَّنة؟ وإلا فلماذا يختار واضعو برنامج سياسيّ معيَّن حلَّ مشكلة سياسيَّة أو اقتصاديَّة أو اجتماعيَّة ما بهذه الطريقة أو تلك وليس بسواها؟ أليس هذا لأنَّهم ينطلقون مِنْ منطلقات عقائديَّة معيَّنة؟

أمَّا إذا كان المقصود هو أن توضع البرامج بطريقة عشوائيَّة (سبهللة)، فإنَّ ذلك سيؤدِّي حتماً إلى خلطة أشبه ما تكون بطبيخ الشحاذين منها ببرنامج سياسيّ يهدف إلى حلّ مشكلات الناس. ومع ذلك، فإنَّ هذه الخلطة ستعبِّر أيضاً، بالضرورة، عن خلفيَّة عقائديَّة معيَّنة تمثِّل، على الأغلب، فئاتٍ اجتماعيَّةً رثَّة، لا يؤهِّلها دورها الهامشيّ في علاقات الإنتاج لبلورة مفاهيم عقائديَّة واضحة ومعبِّرة عن مصالح اجتماعيَّة واضحة وحقيقيَّة.

إنَّ هذا الخلط الكبير في المفاهيم، الحاصل الآن، لا يمكن أن يفيد الحياة السِّياسيَّة، بمختلف ألوانها وتشكيلاتها، ولا بدَّ من تجاوزه باتِّجاه الوضوح مِنْ أجل بناء حياة سياسيَّة محليَّة سليمة. وفي هذا المجال، لا يفيد أن ينساق المتكلّمون في السياسة، والمتابعون الصَّحفيُّون، مع التَّسميات والمفاهيم الشَّائعة غير الدّقيقة، لمجرَّد أنَّها شائعة ومحبَّذة مِنْ بعض القوى السِّياسيَّة، أو بسبب الكسل الفكريّ وعدم الرغبة في قَدْحِ الذِّهن للخروج على هذا التَّصنيف السَّطحيّ والعقيم. 
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال